وُلد أوائل الأطفال في إسبانيا سنة 2026 خلال الساعات الأولى من رأس السنة بمختلف مستشفيات البلاد، في حدث رمزي يتكرر كل عام باعتباره إشارة إلى بداية دورة جديدة من الحياة. غير أن هذه اللحظة، التي تُقدَّم عادة في الإعلام باعتبارها خبرًا إنسانيًا إيجابيًا، تحولت هذه السنة إلى نافذة لقراءة واقع ديمغرافي معقّد، يتّسم بتزايد الفوارق الاجتماعية والثقافية وتراجع الخصوبة داخل الأسر الإسبانية مقابل ارتفاع معدلات الولادة داخل الأسر المهاجرة.
وفي الوقت الذي حرصت فيه وسائل الإعلام الإسبانية على إبراز أوائل حالات الولادة المسجّلة مطلع سنة 2026 بعدد من الأقاليم والمدن — من بينها سبتة ومليلية المحتلتان — لم يخلُ هذا التناول من توظيفٍ سياسي وإيديولوجي واضح، خاصة في المنابر المقرّبة من التيار اليميني المتطرف، التي ربطت الحدث بخلفيات المواليد الأسرية والهجرية، وذهبت حد وصف ملامح المستقبل بـ“القاتم جدًّا”، في خطاب يعكس حساسية النقاش الديمغرافي المتنامي داخل المجتمع الإسباني.
هذا الجدل الإعلامي لم يبقِ الولادات الأولى حدثًا اجتماعيًا عابرًا، بل أعاد إلى الواجهة نقاشًا ديمغرافيًا أعمق، بعدما باتت هذه الحالات أشبه بـ“مرآة كاشفة” لمسار سكاني متسارع، تتقاطع فيه أزمة الخصوبة الوطنية مع الارتفاع الملحوظ في نسبة المواليد داخل الأسر المهاجرة.
ففي الأندلس وكاتالونيا ومدريد وفالنسيا، وكذا في سبتة ومليلية المحتلتان، استقبلت أقسام الولادة العام الجديد في سياق أزمة ديمغرافية هي الأعمق منذ عقود، بعدما أضحت إسبانيا ضمن الدول الأوروبية الأقل إنجابًا. وقد دفع هذا المسار عددًا من الباحثين والخبراء إلى التحذير من تداعياته المستقبلية على التوازن السكاني والهرم العمري والمنظومات الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بهما.
وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن معدل الخصوبة لا يتجاوز 1,2 طفل لكل امرأة، وهو رقم بعيد عن مستوى الإحلال الديمغرافي الضروري لضمان الاستمرارية بين الأجيال. ويواكب هذا التراجع ارتفاعٌ متواصل في سنّ الأمومة الذي تجاوز 32 سنة، بفعل هشاشة سوق الشغل، وصعوبة الولوج إلى السكن، وارتفاع تكاليف تربية الأطفال، وتأخر تكوين الأسر واستقرار الوضعية المهنية؛ وهي عوامل تجعل قرار الإنجاب أكثر تأجيلًا وتعقيدًا لدى فئات واسعة من الأسر الإسبانية.
في المقابل، تُظهر المؤشرات أن النساء الأجنبيات المقيمات بإسبانيا يسجّلن معدلات إنجاب أعلى — تقترب في المتوسط من طفلين لكل امرأة — مع توجه أكبر نحو الأمومة المبكرة نسبيًا. وهو ما جعل نسبة متزايدة من المواليد الجدد تنحدر من أسر مهاجرة أو مختلطة، سواء في المدن الكبرى أو في المناطق التي تعرف حضورًا متناميًا للجاليات الأجنبية. ولا يرتبط هذا المعطى فقط باختلاف العادات الثقافية، بل كذلك بطبيعة البنية الأسرية وشبكات الدعم الاجتماعي وتصورات مختلفة لمشروع الأسرة والاستقرار.
ويُجمع متابعون للشأن الديمغرافي على أن هذا التحول ستكون له انعكاسات ملموسة على المدى المتوسط والبعيد، سواء على مستوى المدرسة العمومية وسوق الشغل، أو على مستوى منظومات الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتقاعد. كما يطرح هذا الواقع المتغير أسئلة متزايدة داخل النقاش العمومي حول سياسات الإدماج والتنوع والتعايش، في مجتمع يتجه تدريجيًا نحو بنية سكانية أكثر تعددية وتنوعًا.
ومن زاوية مغربية، يندرج هذا التحول ضمن دينامية أوسع تُجسّد الحضور المتنامي للجالية المغربية بإسبانيا باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وهو ما يستدعي تطوير سياسات إدماج عادلة ومتوازنة، ودعم مسار الأجيال الجديدة داخل المدرسة والمجتمع، وتثمين التنوع الثقافي بوصفه رافعة قوة وتفاعل حضاري، لا مادة لخطابات التخويف أو الاستثمار السياسي. فالقضية الديمغرافية المطروحة اليوم تتجاوز حدود الأرقام والمؤشرات، لتلامس رهانات مستقبل مجتمع كامل، وكيفية توجيه هذا التحول نحو نموذج اجتماعي أكثر توازنًا واستدامة، قائم على الاعتراف المتبادل والإدماج الإيجابي لكل مكوّناته.
02/01/2026