أجمع خبراء في مجال الاتصالات والاقتصاد الرقمي على أن إنزال كابل “مدوسا” (Medusa) بمنطقة قرية أركمان بإقليم الناظور يشكّل منعطفًا استراتيجيًا في تموقع المغرب كفاعل رقمي محوري يربط بين إفريقيا وأوروبا، ويعزز حضوره في منظومة الاقتصاد العالمي القائم على البيانات.
ويأتي هذا المشروع الضخم، الذي جرى تدشينه رسميًا في دجنبر 2025، ليترجم رؤية وطنية تروم ترسيخ السيادة الرقمية، وتنويع مسارات الربط الدولي، وتقوية البنية التحتية المعلوماتية للمملكة.
ويرى مختصون في شبكات الاتصالات البحرية أن كابل “مدوسا”، الممتد على طول 8,700 كيلومتر، ويصل المغرب بـ 11 دولة عبر 19 نقطة إنزال، يُعد أطول وأحدث منظومة كابلات في البحر الأبيض المتوسط، مؤكدين أن المسار المباشر الرابط بين الناظور ومدينة مارسيليا (1,416 كلم) يمنح المغرب أفضل زمن استجابة (Latency) في المنطقة.
وبحسب هؤلاء الخبراء، فإن السعة الأولية التي تبلغ 20 تيرابايت في الثانية تضع المغرب في موقع متقدم لاستيعاب الطلب المتزايد على خدمات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وتخزين البيانات الضخمة.
الناظور.. اختيار مدروس لا صدفة جغرافية
ويؤكد خبراء في التنمية المجالية أن اختيار الناظور كنقطة إنزال لم يكن عشوائيًا، بل ينسجم مع التوجه الاستراتيجي لتطوير شرق المملكة، خاصة في ظل القرب الجغرافي من ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يُرتقب أن يتحول إلى منصة لوجستية وصناعية متكاملة.
وأشاروا إلى أن محطة الإنزال، التي أنجزتها أورانج المغرب، مرشحة للعب دور “مركز محايد للبيانات”، ما من شأنه استقطاب شركات عالمية في مجالات مراكز البيانات والخدمات الرقمية، وخلق فرص شغل نوعية لفائدة شباب الإقليم.
ويرى خبراء أمن المعلومات أن المشروع يمنح المغرب مسارًا دوليًا سادسًا للربط الرقمي، ما يرفع من منسوب الأمان واستمرارية الخدمة في حالات الأعطاب الكبرى، ويقلل من التبعية لمسارات تقليدية.
كما يتوقع محللون في سوق الاتصالات أن ينعكس فائض السعة بشكل إيجابي على أسعار الإنترنت وجودة الخدمات، سواء بالنسبة للمستهلكين أو للمقاولات، مما يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
ويبرز باحثون أكاديميون أن تخصيص جزء من طاقة الكابل لربط الجامعات ومراكز البحث المغربية بشبكة GÉANT الأوروبية يمثل استثمارًا في المعرفة والابتكار، ويفتح آفاقًا جديدة للتعاون العلمي ونقل التكنولوجيا.
ويُعد المشروع ثمرة شراكة بين الفاعلين الوطنيين (Orange Maroc وInwi)، بدعم من الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي، في إطار مبادرة “البوابة العالمية”.
مرحلة ما قبل التشغيل
وبعد نجاح عملية الإنزال، تدخل المنظومة مرحلة الاختبارات التقنية النهائية، حيث يتوقع خبراء أن يبدأ التشغيل التجاري الكامل في فبراير 2026.
بهذا المشروع، يؤكد مختصون أن المغرب لا يراهن فقط على البنية التحتية، بل على تحويل الناظور إلى بوابة رقمية متوسطية، وقاطرة جديدة للتنمية الرقمية شرق المملكة.
02/01/2026