تعيش فنزويلا منذ ساعات على وقع زلزال سياسي وعسكري غير مسبوق: انفجارات تهز العاصمة كاراكاس، أعمدة دخان كثيفة تحجب السماء، انقطاع جزئي للكهرباء وشبكات الاتصالات، وإعلان رسمي بأن البلاد “تحت قصف أمريكي”. وبعد دقائق فقط، خرج دونالد ترامب عبر منصته الخاصة ليؤكد أن العملية “نجحت”، وأن القوات الأمريكية اعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس.
وسط هذا المشهد المتفجر الذي يمزج بين دراما السلطة والرمزية التاريخية، يبرز سؤال محوري: من هي سيليا فلوريس، المرأة التي يُنظر إليها كأحد أعمدة السلطة في فنزويلا، وصاحبة نفوذ يتجاوز حدود الدور البروتوكولي لزوجة الرئيس؟
سيليا — أو “سيلِيتا” كما يناديها مادورو — ليست مجرد السيدة الأولى، بل تُقدّم رسميًا في الخطاب البوليفاري بوصفها “أول مقاتلة”، في إشارة إلى حضورها النضالي داخل التيار التشافيزي، ودورها في تثبيت نموذج حكم يقوم على تحالف متين بين الحزب والأجهزة والمؤسسة العسكرية. لقد كانت أقرب المقرّبين لهوغو تشافيز بين 1999 و2013، وواحدة من أبرز العقول السياسية التي راكمت خبرة تنظيمية متقدمة داخل دواليب الدولة.
وُلدت سيليا فلوريس سنة 1958 في تيناكّيو، ونشأت في كاراكاس ضمن أسرة متواضعة من ستة إخوة. درست القانون العمّالي والجنائي، لكن اللحظة الفاصلة في مسارها جاءت حين تولّت الدفاع عن هوغو تشافيز بعد محاولة الانقلاب الفاشلة سنة 1992 — مرحلة مفصلية رسمت هويتها السياسية ومهّدت لصعودها في محيط السلطة الضيق.
انخرطت في الحركة البوليفارية الثورية MBR-200، وأسهمت في تأسيس حركة الجمهورية الخامسة التي قادت تشافيز إلى الرئاسة في 1998. نالت مقعدًا برلمانيًا سنة 2000 وجددته في 2005، ثم تولّت رئاسة الجمعية الوطنية لتصبح أول امرأة تقود البرلمان الفنزويلي، بعدما خلفت نيكولاس مادورو نفسه حين انتقل إلى وزارة الخارجية.
وفي 2012 عيّنها تشافيز مدّعية عامة للجمهورية، قبل أن تتحول بعد رحيله إلى “سيدة القصر” عقب تولي مادورو الرئاسة سنة 2013، حيث تزوّجا رسميًا بعد علاقة امتدت قرابة عقدين.
لا تقتصر أهمية سيليا فلوريس على قربها من الرئيس، بل تُعد ركيزة أساسية في شبكة النفوذ السياسي والحزبي والمؤسساتي، ومركز ثقل في نظام استند إلى الولاءات السياسية وتوازنات الجيش والحزب. بالنسبة لخصوم مادورو، هي رمز لاستمرارية النخبة الحاكمة وواجهة تمثل امتداد التيار التشافيزي داخل الدولة.
على المستوى الإقليمي، أثار إعلان واشنطن عن “اعتقالها” جدلًا واسعًا، بين من يرى فيه انتهاكًا صارخًا لسيادة دولة، ومن يعتبره مؤشرًا على إعادة رسم ميزان القوى في منطقة لطالما سعت إلى الاستقلال عن التدخلات الخارجية.
تطورات فنزويلا الأخيرة تتجاوز حدود كاراكاس لتصل تأثيراتها إلى المغرب والمنطقة بأسرها، إذ يحمل أي تحوّل جذري في هرم السلطة انعكاسات مباشرة على ملف الصحراء، رغم أنه محسوم، بالنظر إلى سجل فنزويلا التاريخي في مواقفها المعادية للمملكة. كما يجعل اضطرابها الداخلي أسواق الطاقة العالمية ومسارات الهجرة وشبكات الاستثمار عرضة للتقلب، ويكشف هشاشة الأنظمة الشعبوية عند لحظات الاختبار الكبرى، ما يجعل ما يحدث في فنزويلا مسألة استراتيجية تستحق متابعة دقيقة من زاوية مغربية.
وبين انتظار تأكيدات رسمية مستقلة حول مصير مادورو وزوجته، تظل الحقيقة الثابتة أن فنزويلا دخلت منعطفًا تاريخيًا، ستتردد أصداؤه خارج كاراكاس، على ضفّتي الأطلسي، وصولًا إلى شمال إفريقيا والمغرب.
قبل أقل من عامين، احتفت كاراكاس بذكرى مرور 43 سنة على اعترافها بما تسميه “الجمهورية الصحراوية”، ورفع شعار يبدو اليوم أشبه بـ عبارة من كتاب تاريخي لم يُقرأ بعد:
“القضية الصحراوية قضية بوليفارية… وهي قضية الشعب الفنزويلي.”
قُدّم وثائقي بعنوان “نور في الصحراء”، وأُلقيت الخطب التي تغنّت بـصمود الجبهة، وكرّرت القيادات الفنزويلية دعمها “الثابت لحق تقرير المصير”، وكأن من يشاهد المشهد سيتخيّل أن الدولة الفنزويلية جاهزة لتصدير الثورات وحماية السيادة في كل ركن من أركان العالم.
واليوم — وسط دخان الانفجارات وأصوات القصف وأخبار الاعتقالات — يبدو أن “نور الصحراء المزيف” اختفى وسط عتمة كاراكاس، وأن من كان يمنح الدروس في السيادة والتحرر يجد نفسه الآن يبحث على عجل عن من يمنحه درسًا واحدًا في الاستقرار، وكأن التاريخ أعاد ترتيب أوراقه بسخرية ثقيلة، ليُظهر أن الشعارات لا تحمي الأنظمة عند ساعة الحقيقة، وأن أكثر الأصوات صخبًا في “تصدير الثورات” قد تكون أول من يكتشف أن التاريخ لا يرحم من يوزّع الولاءات خارج حدوده قبل أن يؤمّن بيته من الداخل.
03/01/2026