“بين كاراكاس والناظور: تحركات نفطية وجيوسياسية تتزامن مع اعتقال مادورو، والميناء المغربي يصبح محور نفوذ إقليمي”
عاد اسم مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط إلى واجهة النقاش الإسباني، بعد أن كشف تقرير جديد عن معطيات مثيرة تربط بين شبكات تمويل مرتبطة بقطاع المحروقات الفنزويلي، وعقود لوجستية وعسكرية وُقّعت عبر شركات خارجية، أبرزها شركة “نوفوم إنرجي تريدينغ”، المسجلة في جزر العذراء البريطانية، والتي يُشتبه في أنها لعبت دورًا غير مباشر في تسهيل دخول شركات إسبانية كبرى إلى المشروع المغربي الاستراتيجي المطل على البحر المتوسط.
وحسب التقرير، الذي أثار تفاعلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية في مدريد، فقد قامت الحكومة الإسبانية بتفعيل غرفة أزمة رفيعة المستوى بعد ظهور معطيات جديدة ضمن ما بات يُعرف إعلاميًا بـ”قضية الدفاع – كولدو”، والمتعلقة بعقود تزويد الوقود العسكري التي جرى تمرير جزء منها عبر ملاذات ضريبية خارجية.
تشير الوثائق، المسماة داخليًا بـ”اللوجستيات الاستراتيجية” مثل ملف “ليترس-إي”، إلى مقايضة محتملة بين السيادة والمصالح التجارية، حيث لعب الغاز الفنزويلي ونفط شركة “بدفسا” دور “الزيت الميكانيكي” الذي سهّل دخول الشركات الإسبانية الكبرى مثل (أكسيونا / تراما) للغاز والبنية التحتية إلى مشروع ميناء الناظور ويست ميد.
وفي الوقت الذي كانت فيه تقارير الاستخبارات تحذّر من فقدان السيطرة في مضيق جبل طارق، يُعتقد أن شبكة “ڤيكتور دي ألداما”، إلى جانب عناصر مرتبطة بجهاز الاستخبارات الفنزويلي “سيبين”، كانت تعمل داخل “منطقة رمادية” مؤسساتية، حوّلت هزيمة جيوسياسية إلى ربح اقتصادي لشركات تحت غطاء إمدادات عسكرية غير شفافة.
ويضيف التقرير أن وزارة الدفاع الإسبانية منحت خلال السنوات الماضية عقودًا وُصفت بأنها “حساسة لوجستيًا”، بلغت قيمتها نحو 139,700,000 يورو لصالح شركة “نوفوم إنرجي تريدينغ”، المسجلة في جزر العذراء البريطانية.
كما يوضح التقرير أن شبكة العلاقات المالية المرتبطة بشركة النفط الفنزويلية “بدفسا” لعبت دور “الوسيط الطاقي”، عبر تدفقات نفط وغاز تحرّكت ضمن قنوات غير شفافة قبل أن يُعاد توظيف جزء منها في منظومات استثمارية وتجارية مرتبطة بشركات إسبانية ناشطة في مشاريع البنية التحتية والطاقة.
ويرسم التقرير خريطة جيو–مالية متعددة المستويات تربط بين كاراكاس – مدريد – الناظور؛ حيث تُقدَّم كاراكاس كمصدر رأس المال الطاقي، وتشكل جزر العذراء البريطانية محطة عبور مالية ضمن شبكات الشركات الخارجية، بينما تبرز مدريد كمركز للقرار المؤسسي واللوجستي. وعلى الضفة الجنوبية للمتوسط، يُوضع مشروع المركب المينائي “الناظور غرب المتوسط” كمنصة استثمارية وبنية مينائية كبرى ذات امتدادات استراتيجية، تمتد آثارها نحو بروكسل، ما يعكس تقاطعات النفوذ داخل الفضاءين الأوروبي والأطلسي.
ويفترض التقرير أن الغاز الفنزويلي والنفط الخام لعبا دور “الزيت المالي” الذي سهّل دخول شركات إسبانية إلى المشروع المغربي، معتبرًا أن العملية لم تكن مجرد استثمار اقتصادي تقليدي، بل جزءًا من معادلة نفوذ طاقية وجيوسياسية أوسع في فضاء المتوسط.
ووفقًا للمصادر ذاتها، فقد نبّهت تقارير استخباراتية إسبانية سابقة إلى ما وُصف بـ”فقدان هامش من السيطرة” على مسار تدفق التمويلات ذات الصلة باللوجستيات العسكرية، مشيرة إلى أسماء وشبكات مالية يُشتبه في ارتباطها بعناصر مقرّبة من جهاز الاستخبارات الفنزويلي “سيبين”، والتي نشطت داخل “منطقة رمادية مؤسساتيًا”، حيث حُوّلت “هزيمة جيوسياسية” إلى ربح اقتصادي لصالح لوبيات تجارية تحت غطاء إمدادات عسكرية غير شفافة.
ويبرز مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط في البعد الأورو–متوسطي كنقطة التقاء حيوية بين أوروبا وشمال إفريقيا، حيث يشكل منصة استراتيجية لتعزيز التجارة والطاقة وربط الاستثمارات الإسبانية والمغربية بشبكات النفوذ الأوروبي، ما يمنحه دورًا محوريًا في ديناميات الأمن الطاقي والنفوذ الجيوسياسي في المتوسط، فضلاً عن كونه رافعة لوجستية كبرى وجاذبًا للاستثمارات الطاقية والصناعية، وجزءًا من رؤية وطنية لإعادة تموقع الموانئ المغربية ضمن سلاسل التجارة العالمية.
في المقابل، يرى مراقبون أن موجة التقارير الإسبانية الأخيرة تعبّر أساسًا عن قلق داخلي في مدريد بشأن شفافية العقود الدفاعية، ودور شركات خارجية داخل شبكات التمويل، إلى جانب التحولات في موازين النفوذ بالمتوسط وعلى الضفة الجنوبية، فيما لم تصدر أي ردود رسمية مغربية حول مضامين هذه التقارير حتى الآن.
وتظهر الخريطة صراعًا مرئيًا بين السيادة والمصالح، حيث يمثل محور كاراكاس – الناظور أكثر الخطوط سخونة في الشبكة الجيو–مالية. من فنزويلا، تنطلق الأموال النفطية غير الشفافة من شركة “بدفسا” عبر مسارات مباشرة نحو مدريد أو عبر ملاذات ضريبية في جزر العذراء البريطانية، قبل أن تتحوّل إلى عقود دفاعية ولوجستية عبر شركات خارجية لتصل إلى مشروع “الناظور ويست ميد”.
في هذا السياق، يتحوّل الغاز والنفط الفنزويليان إلى “الزيت المالي” الذي يسهل على الشركات الإسبانية مثل “أكسيونا” والشبكة المرتبطة بها دخول المشروع المغربي، بينما يمتد تأثيره الجيوسياسي شمالًا نحو بروكسل، ليصل إلى قلب القرار الأوروبي والأطلسي، مؤكدًا أن استثمارًا محليًا على الضفة الجنوبية للمتوسط يمكن أن يصبح أداة نفوذ تتجاوز الحدود الوطنية.
باختصار، محور كاراكاس – الناظور يجسّد شبكة متشابكة من المال والطاقة والدفاع والسياسة، حيث يتقاطع النفوذ الفنزويلي والإسباني والمغربي ضمن مسرح أوسع يضم الاتحاد الأوروبي والناتو، ما يجعل مشروع “الناظور ويست ميد” نقطة التقاء مالية وجيوسياسية حساسة.
وتظهر هذه التقارير بوضوح أن ملف الطاقة واللوجستيك في المتوسط لم يعد مجرد ورش اقتصادي، بل تحوّل إلى ساحة تداخل بين المال والسياسة والأمن الاستراتيجي، حيث تُعاد قراءة مشاريع كبرى — من بينها مشروع “الناظور غرب المتوسط” — ضمن خرائط النفوذ الإقليمي والدولي، مع ربط مباشر بين الضغوط القضائية في قضية بروكلين وشهود رئيسيين مثل “إل بولو” كارفاخال بالمشروع الضخم والمربح “الناظور ويست ميد” (حسب وصف التقرير).
ويظل الحسم النهائي في صحة أو دقة الاتهامات المرتبطة بمسارات التمويل رهينًا بالتحقيقات القضائية الجارية في إسبانيا، في انتظار ما ستكشفه التطورات المقبلة.
04/01/2026