نوال بلغيتي – صحفية متدربة، الرباط
إقليم الحسيمة، الذي عاش بالأمس القريب على إيقاع دينامية ملحوظة على مختلف المستويات، يعيش اليوم تراجعات كبيرة وعاد إلى وضعية إنهاك واضحة لم تعد تحتمل الصمت: تراجع في الخدمات، نقص في الاستثمار، بطء في تنزيل البرامج، وضعف في مجالاته الحيوية؛ التعليم، والصحة، والشغل، والبنية التحتية…، وتنامي شعور عام بأن العجلة توقفت ولم يعد أحد يمسك بزمام القيادة.
وسط هذا المشهد، جاءت قضية إحدى الشخصيات السياسية بالإقليم، التي صدر في حقها حكم بالحبس النافذ بسبب إساءتها لسمعة زميلتها في نفس الحزب، لتفجر النقاش. فما وقع لتلك المرأة وأسرتها مؤلم ومرفوض أخلاقيًا ومجتمعيًا، وهو سلوك فردي لا يمكن تبريره. لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح هي أن هذا السلوك، بكل ما فيه من إساءة، يظل أقل خطورة من الضرر الكبير الناتج عن تقاعس النخبة السياسية الصورية التي تمثل الإقليم داخل البرلمان والمؤسسات المنتخبة. فالإساءة الفردية تبقى محدودة، أما الإهمال الجماعي لشأن الإقليم فهو يمس مجتمعًا بأكمله.
المشكلة اليوم ليست حادثة فردية، بل نخبة سياسية ريفية منهكة ومكررة الوجوه، لا تضيف شيئًا، ولا تمتلك الجرأة ولا القدرة على التفاعل والترافع. ممثلون انفصلوا عمليًا عن هموم الساكنة، وانشغلوا – في نظر الناس – بمنافع المواقع بدل خدمة الإقليم. وهكذا تُركت الحسيمة بلا صوت قوي، وبلا مبادرة، وبلا أفق واضح.
هذا الفراغ التمثيلي وهذه اللامبالاة تجاه قضايا الإقليم ليست مجرد أخطاء عابرة؛ إنها جريمة معنوية في حق الساكنة بأكملها، وإفراغ ممنهج للعمل السياسي والحزبي من روحه النبيلة، وتحويل المؤسسات المنتخبة إلى هياكل بلا مضمون، وهدم متواصل لما تبقى من الثقة في العمل العام. والثقة حين تضرب في العمق، تصاب الديمقراطية نفسها في مقتل.
الوضع غير المسبوق في إقليم الحسيمة يسائل المشهد الحزبي، ويدعو بشكل صريح الأحزاب الممثلة عن الإقليم في البرلمان على وجه الخصوص، وباقي المؤسسات المنتخبة عمومًا، إلى إعادة النظر في اختياراتها بالحسيمة، لتكون في مستوى المرحلة. فالإقليم بات بحاجة ماسة إلى كفاءات حقيقية، لا إلى إعادة تدوير نفس الأسماء بنفس الإيقاع ونفس النتائج. الدروس واضحة، والرسائل الاجتماعية أقوى من أن تتجاهل، والتجديد لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية للحياة العامة.
وفي الوقت نفسه، هناك حاجة لفهم والتقاط الرسائل العميقة التي حملها الخطاب الملكي حول “جيل جديد من المشاريع”. فمثل هذه المشاريع الكبرى لا يمكن أن تُقترح أو تُنفذ بكائنات – تسمي نفسها قسرًا نخبة – متعبة ومنفصلة، أو مكررة الوجوه ومستنفذة. تلك الرسائل تحيل ضمنيًا – وبوضوح لمن أراد أن يفهم – إلى الحاجة لجيل جديد من النخب التي من شأنها أن تشتغل بعقلية الخدمة لا الامتياز، بالمبادرة لا الانتظار، وبالارتباط اليومي بالمواطن، لا بالظهور الظرفي في الانتخابات.
ماذا ستنتظر الساكنة من وجوه باهتة وقد استُهلكت ولم تقدم قيمة مضافة، في الوقت الذي كانت تأمل فيه من يمثلها بجرأة ومسؤولية، من يتواصل معها ولا يختفي، ومن يدافع عن مصالح الإقليم داخل البرلمان والإدارة، لا من يحول التمثيلية إلى لقب بلا مضمون؟ فالإقليم بات بحاجة إلى نفس جديد، وإلى نخبة حقيقية مرتبطة بالأرض والناس، لا مجرد أسماء عابرة في لوائح الانتخابات.
هذه صرخة إقليم يرفض أن يُدار بالصدفة، ويريد سياسة في مستوى تطلعاته، لا شعارات تُرفع في الحملات وتُنسى بعدها. والتاريخ لا يرحم من فوت الفرص عندما كانت الطريق ما تزال مفتوحة للإصلاح.
05/01/2026