شهدت مدينة الناظور صباح يوم الاثنين واقعة صادمة تمثّلت في نفوق عدد كبير من القطط بمحيط سوق لعري الشيخ، في ظروف يُشتبه في ارتباطها بحالات تسميم متزامنة، الأمر الذي خلّف موجة استنكار واسعة وسط الساكنة وفعاليات المجتمع المدني، في واقعة وُصفت بـ“الجريمة الصامتة” التي مستّ في العمق قيم الرحمة والمسؤولية الجماعية تجاه الحيوان والفضاء العام.
وبحسب معطيات متطابقة من ساكنة الحي وروّاد السوق، فإن القطط التي لقيت حتفها كانت تتخذ من حديقة لعري الشيخ مأوى لها، حيث اعتاد عدد من المواطنين على توفير الطعام والماء لها بشكل يومي، قبل أن يتم العثور عليها جثثًا هامدة تحمل مؤشرات قوية على تعرضها للتسميم المتعمّد.
وتشير مصادر محلية — وفق إفاداتها — إلى شبهات بضلوع بعض التجار بالمحيط السوقي في هذه العملية، بدعوى “إزعاج القطط لنشاطهم التجاري”، وهي رواية لم تؤكدها أي جهة رسمية إلى حدود الساعة، غير أنها زادت من حدّة الغضب الشعبي والدعوات المطالبة بفتح تحقيق عاجل وشامل لكشف ملابسات الحادث وترتيب المسؤوليات.
هذه الفاجعة أعادت إلى الأذهان واقعة حديقة مقهى الجوهرة الخضراء بالناظور، التي شهدت قبل أشهر عملية إبادة مماثلة لعدد من القطط الأليفة، وهي القضية التي خلّفت حينها موجة تنديد واسعة من فعاليات المجتمع المدني، وتدخّلاً مباشراً من قائدة المقاطعة الأولى التي واكبت تفاصيل النازلة وتم استدعاء مالك المقهى على خلفية الواقعة.
اليوم، تتكرر المشاهد ذاتها — ولكن في موقع آخر — وبوتيرة أخطر، ما يجعل حادث لعري الشيخ جرس إنذار صادحًا بأن المسألة لم تعد حالات فردية معزولة، بل سلوكًا عدائيًا ضد الحيوان يستوجب مواجهة صارمة.
وفي الوقت الذي اتجهت فيه المجالس المنتخبة بالمغرب إلى التخلي عن سياسات قتل الكلاب الضالة بعد ما رافقها من تنديد دولي وضغط حقوقي وصل إلى هيئات عالمية — بينها منظمات ارتبط ذكرها بتحضيرات المغرب لتنظيم كأس العالم — يظهر أن بعض السلوكات الفردية ما تزال تُعيد إنتاج منطق الإقصاء والقتل بدل الرعاية والتدبير الحضاري.
وهو ما يطرح — بحدة — سؤال الوعي البيئي والإنساني داخل الفضاءات الحضرية، ومسؤولية الإدارات العمومية والجماعات الترابية في تأطير التعامل مع الحيوانات الحضرية وفق مقاربة إنسانية وقانونية، بدل ترك الأمور لفوضى “ردّات الفعل الفردية”.
ودعت فعاليات حقوقية ومدنية بمدينة الناظور إلى فتح تحقيق فوري وشفاف في قضية تسميم القطط بسوق لعري الشيخ، مع تشخيص طبي ومخبري دقيق لنوعية المواد المستعملة في عملية التسميم، ورصد ما قد تشكّله من خطر على الصحة العامة والبيئة الحضرية. كما طالبت الجهات المعنية بـترتيب المسؤوليات القانونية في حق كل من قد يثبت تورطه في هذه الأفعال، وعدم التساهل مع أي سلوك يمسّ بالحياة الحيوانية داخل الفضاء العام، إلى جانب اعتماد برنامج محلي مستدام يرتكز على تطعيم وتعقيم ورعاية القطط الحضرية وفق مقاربة إنسانية وتنظيمية، مع حماية الفضاءات العمومية من كل الممارسات العدوانية أو العشوائية تجاه الحيوان.
فما حدث ليس مجرد واقعة عابرة، بل مسّ مباشر بصورة المدينة، وامتحان لقيم مجتمعها، ورسالة مقلقة بشأن هشاشة الوعي البيئي والحقوقي لدى بعض الأطراف.
تسميم القطط — أيًّا كان فاعله ودوافعه — ليس حلًّا، بل جريمة أخلاقية وقانونية وبيئية.
والناظور — التي تتطلع إلى مستقبل حضري مسؤول — تستحق مقاربة تحفظ كرامة الإنسان… والحيوان… والمدينة معًا.
05/01/2026