في قلب مدينة الناظور، وعلى بعد أمتار من غرفة التجارة والصناعة والمحافظة العقارية، يتكرر مشهد صادم يختصر حجم العبث والجرأة على القانون. شخصان، شقيقان، اتخذا من طاولة لبيع السجائر والمناديل “مكتبًا مفتوحًا” للسمسرة والنصب، يمارسان نشاطهما في العلن، دون خوف أو حسيب، وكأن الأرصفة صارت مناطق خارجة عن سلطة القانون.
بأسلوب مدروس، يستدرج الشقيقان المرتفقين المتوجهين إلى المحافظة العقارية، ويوهمانهم بقدرة سحرية على “تسهيل” الملفات وتسريع الإجراءات، قبل أن تتحول الوعود إلى فواتير نصب، والانتظار إلى خسائر مادية، والضحايا إلى أرقام جديدة في سجل الاحتيال.
وخلال أشهر قليلة، نجح المعنيان في نسج شبكة واسعة من العلاقات داخل المحافظة العقارية ، راكموا من خلالها أموالًا غير مشروعة، مستغلين الثقة والحاجة وضعف المراقبة، في صورة فاضحة لكيف يمكن للفوضى أن تصنع ثراءً سريعًا خارج كل القوانين.
صباح يومه الاثنين، انفجر الوضع. سيدة قصدت الشقيقين للمطالبة باسترجاع مبلغ يقارب 15 ألف درهم، كانت قد سلمته لأحدهما قبل مدة، قبل أن تكتشف أنها وقعت ضحية نصب. المفارقة الصادمة أن أحد الشقيقين كان قد أجرى قبل أشهر عملية تكميم معدة بتركيا، يُشتبه في تمويلها من أموال الضحايا، في وقت ما زال فيه هؤلاء يطاردون أوهام استرجاع حقوقهم.
ومع إصرار السيدة على حقها ورفضها سياسة التسويف، تحوّل النقاش إلى اعتداء جسدي مباشر في الشارع العام، وأمام أعين المواطنين، في مشهد أثار موجة غضب واستنكار، وطرح أسئلة حارقة حول من يحمي المرتفقين ومن يسمح باستمرار هذا العبث.
ما يجري قرب غرفة التجارة بالناظور ليس حادثًا معزولًا، ولا مجرد تحايل عابر، بل نموذج فجّ للنصب المنظم، حيث تتحول الأرصفة إلى مكاتب سمسرة، وتُستعمل القوة بدل القانون لإسكات الضحايا.
وفي الوقت الذي يترقب فيه المواطنون تدخّلًا حازمًا، يواصل الشقيقان نشاطهما كأن شيئًا لم يكن، وكأن القانون مجرد تفصيل ثانوي، أو لافتة صامتة لا تقرأ.
هكذا، في وضح النهار، تتحول طاولة بيع السجائر والمناديل إلى بورصة مفتوحة للنصب والاحتيال: الضحايا هم الخاسرون دائمًا، الشقيقان يراكمون الأرباح، والقانون… ينتظر دوره. فمن قال إن المضاربة حكر على الأسواق المالية؟!
05/01/2026