يعيش جنوب إسبانيا، في مدن مثل مالاغا وألميريا وغرناطة ومنطقة مورسيا، على ما يُعرف أخطر المناطق الزلزالية في شبه الجزيرة الإيبيرية. هذا الخطر ليس حادثًا عابرًا أو سلسلة من الزلازل المعزولة، بل نتيجة عملية جيولوجية عميقة ومستمرّة منذ ملايين السنين، حيث تتكدس الطاقة في باطن الأرض بفعل التصادم البطيء والمستمر بين الصفيحتين الإفريقية والأوروبية.
لكن هذه القوة لا تتوزع بشكل متساوٍ في كامل إسبانيا. ففي جنوب شرق البلاد، تركّز الضغط على منطقة معقدة تشكّل البحر الألبوران وسلسلة جبال البتيك، حيث تتحرك الصفيحات عبر شبكة من الفوالق النشطة على اليابسة وقاع البحر، ما يجعل المنطقة في حالة توتر دائم. التحرك السنوي بين إفريقيا وأوروبا لا يتجاوز بضعة مليمترات، لكن تأثيره يتراكم عبر العقود والقرون حتى تنطلق الطاقة فجأة على شكل زلازل قد تكون مدمرة.
السر يكمن في التعقيد التكتوني للمنطقة. بين إفريقيا وأوروبا توجد ما تُعرف بـ”اللوحة الصغيرة للألبوران”، كتلة تتحرك ببطء نحو الغرب وتعمل مثل إسفين يتعرض لضغوط هائلة، مسببة أنواعًا متعددة من الفوالق: بعضها يضغط الأرض، وبعضها يشدها، وأخرى تحركها جانبياً. هذا يفسّر لماذا تتركز الزلازل في مالاغا وغرناطة وألميريا ومورسيا.
تحت مدينتي غرناطة ومالاغا، تحدث ظواهر جيولوجية نادرة في أوروبا. أظهرت الدراسات أن جزءًا من الطبقة العميقة للأرض يغوص نحو الوشاح في عملية تُعرف بـ”التقشّر الأرضي”، مسببة زلازل في أعماق غير معتادة تصل أحيانًا إلى أكثر من 600 كلم. الحرارة القادمة من باطن الأرض تغيّر توازن الصخور وتبقي النشاط الزلزالي للمنطقة متواصلًا.
التاريخ يذكرنا بخطورة الزلازل في المنطقة. ففي 1522 دُمرت ألميريا بالكامل، ومات أكثر من 2,500 شخص في مدينة فيرا. وفي 1829، ضرب زلزال توريفييخا مناطق واسعة من مورسيا. أما أسوأ كارثة في العصر الحديث فكانت زلزال أريناس دل ريه في غرناطة سنة 1884، الذي أودى بحياة حوالي 1,500 شخص ودمر آلاف المنازل، مع حدوث انزلاقات أرضية كبيرة.
خلال العقود الأخيرة، استمر النشاط الزلزالي. زلزال لوركا 2011، رغم كونه متوسط القوة، أسفر عن تسعة قتلى وخسائر مالية تجاوزت 550 مليون يورو بسبب قربه من المدينة وعمقه الضحل. بين 2020 و2021، شهدت سهل غرناطة سلسلة من الزلازل الصغيرة، مسببة أضرارًا قدرت بـ17,7 مليون يورو وتأثيرًا نفسيًا على السكان.
لطالما اعتُبر خطر موجات التسونامي منخفضًا في هذا الجزء من البحر الأبيض المتوسط، لكن الدراسات الأخيرة حذرت من ذلك. فوالق أفيرويس تحت البحر قد تتسبب في موجات يصل ارتفاعها إلى ستة أمتار في حال زلزال قوي، مع وصول الموجات إلى الساحل الإسباني أو شمال المغرب خلال 20 إلى 30 دقيقة فقط.
لا يعتمد تأثير الزلزال فقط على قوته، بل على طبيعة الأرض وبنية المباني. في مدن مثل غرناطة، تزيد التربة اللينة من تردد الموجات الزلزالية، مما يزيد الضرر. إضافة لذلك، كثير من المباني جنوب شرق إسبانيا بنيت قبل اعتماد معايير مقاومة الزلازل في 2002، ما يزيد من هشاشتها أمام الكوارث.
العلم لا يمكنه التنبؤ بالزلازل بدقة، لكنه قادر على تقييم المخاطر. جنوب شرق إسبانيا لم يشهد زلزالًا كبيرًا على اليابسة لأكثر من قرن، لكنه يتراكم الطاقة في الفوالق النشطة. وقد اعتمدت الحكومة الإسبانية في مارس 2025 خطة وطنية للمراقبة الزلزالية لتعزيز الشبكة وتحسين رصد الفوالق وتقدير الأضرار بسرعة، لتسهيل تدخل الحماية المدنية والوحدات العسكرية.
تصادم إفريقيا وأوروبا سيستمر لملايين السنين. الخطر صفر غير موجود، لكن التحضير يقلل الأضرار. من المهم معرفة المناطق الآمنة في المنازل، وتأمين الأثاث، والتحرك بسرعة بعد الزلزال. وفي حال حدوث زلزال قرب الساحل، يجب الابتعاد فورًا عن البحر والصعود إلى مناطق مرتفعة. القبول بأن الزلازل جزء من واقع جنوب إسبانيا هو الخطوة الأولى للعيش بأمان ومسؤولية جماعية.
08/01/2026