أعلنت هيئة تحكيم دولية ، حكماً يُلزم شركة سوناطراك الجزائرية بدفع ما يفوق 290 مليون دولار لفائدة شركة الطاقة البريطانية سَني هيل إنيرجي ليمتد، على خلفية إنهاء عقد تقاسم الإنتاج بحقل عين تسيلا سنة 2021. خبر عابر في وكالات الأنباء، لكنه في الحقيقة أشبه بفاتورة كهرباء ضخمة وُضعت على مكتب الدولة الجزائرية دون أن يعرف أحد من أطفأ النور ومن ترك العداد يدور.
في الدول التي تُدار بعقلية المؤسسات، يُعتبر الوصول إلى التحكيم الدولي آخر الحلول وأفشلها. أما في الجزائر، فيبدو أن التحكيم صار جزءاً من “روتين التدبير”، مثل اجتماع إداري أو بيان مقتضب. فسوناطراك، عملاق الطاقة الذي يُفترض أنه خزينة السيادة، يجد نفسه مرة أخرى في قاعة محكمة دولية، لا ليشرح نجاحاته، بل ليدافع عن قرار كلّف الخزينة مئات الملايين.
اللافت في هذا الملف ليس فقط ثقل الرقم، بل خفة الطرف المقابل. فشركة سَني هيل إنيرجي ليمتد، حديثة التأسيس، محدودة الحضور، قليلة الأثر في سوق الطاقة العالمي، تحولت فجأة إلى مستفيد من تعويض يقترب من ثلث مليار دولار. لا “توتال” ولا “إيني” ولا “بريتش بتروليوم”، بل شركة لا يعرفها الرأي العام إلا بعد أن وصلها الشيك. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام استثمار فاشل أم أمام حسابات فاشلة؟
قرار فسخ العقد سنة 2021 اتُّخذ، كما جرت العادة، في صمت أنيق. لا تقارير تقنية منشورة، لا تفاصيل عن مسار الإشعارات، ولا أثر لمحاولات تسوية ودية. فقط قرار، ثم نزاع، ثم تحكيم، ثم حكم. وكأن المال العام يُدار بمنطق “جرّب حظك”، فإن ربحتَ فأنت عبقري، وإن خسرتَ فالفاتورة دائماً جاهزة باسم الشعب.
وتزداد السخرية ثقلاً حين نكتشف أن الشركة البريطانية مرتبطة بهياكل مسجلة في ملاذات ضريبية شهيرة. قانونياً لا شيء يمنع ذلك، لكن سياسياً وأخلاقياً يصبح المشهد كاريكاتورياً: دولة ريعية، بشركة سيادية مثقلة بالفضائح، تدخل في نزاع مكلف مع شركة صغيرة محاطة بالسرية، ثم تخرج بخسارة ضخمة دون أي تفسير رسمي يُذكر.
المفارقة أن كل هذا يحدث باسم “السيادة الاقتصادية” و“حماية الموارد الوطنية”. غير أن السيادة، في هذه الحالة، بدت أقرب إلى شعار يُرفع في الخطابات، لا إلى مبدأ يُطبق في العقود. فالدولة التي لا تحاسب، لا تشرح، ولا تعتذر، لا يمكنها أن تطلب من مواطنيها الثقة كلما سقط رقم جديد من خزائنها.
في النهاية، لا تبدو قضية سوناطراك وسَني هيل إنيرجي ليمتد نزاعاً تجارياً بقدر ما تبدو درساً مكلفاً في فن الإدارة العشوائية. 290 مليون دولار ليست مجرد رقم، بل شهادة دولية على أن الحكم حين يُدار بالغموض، يدفع الثمن نقداً وبالدولار. أما المواطن الجزائري، فدوره ثابت: التصفيق للشعارات، والصمت أمام الفواتير، وانتظار فضيحة جديدة تحمل رقماً أكبر وخاتماً دولياً آخر.
