لا يحتاج اسم إبراهيم دياز إلى كثير تقديم داخل المغرب. فمنذ اختياره سنة 2024 حمل قميص المنتخب الوطني، تحوّل اللاعب إلى رمز لجيل كروي جديد يجسّد تعدد الانتماءات وقوة الجذور العابرة للحدود. غير أن مسار هذا الاسم اللامع في سماء كرة القدم الأوروبية يخفي تفصيلاً دالاً، قلّما يتم التوقف عنده في النقاش العمومي: مليلية المحتلة، مسقط رأس والده، باعتبارها نقطة مفصلية في تشكّل هوية اللاعب.
وُلد سفيان عبد القادر موحند، والد إبراهيم، بمدينة مليلية , في سياق تاريخي واجتماعي معقّد، يميّز المدينة المحتلة باعتبارها فضاءً للتداخل السكاني والثقافي بين المغرب وإسبانيا. وينتمي عبد القادر إلى الجيل الثاني لعائلة مغربية الأصل استقرت في مليلية، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى جنوب إسبانيا، ضمن موجات الهجرة التي طبعت العقود الأخيرة بحثًا عن الاستقرار وفرص العيش الكريم.
من مليلية إلى كوستا ديل سول، انتقلت الأسرة وهي تحمل معها ذاكرة العبور والهوية المركّبة. في مدينة مالقة، حاول الأب تحقيق حلمه الكروي دون أن يبلغ الاحتراف، غير أن كرة القدم ظلت حاضرة بقوة في مسار العائلة، لتجد امتدادها الطبيعي في الابن، الذي سيشق طريقه لاحقًا نحو أكبر أندية العالم.
تكوّن إبراهيم دياز في بيئة أسرية تمثل نموذجًا مصغرًا للواقع المتوسطي المعاصر. فقد أصبح والده أبًا في سن السابعة عشرة، بعد زواجه من باتريسيا، شابة من مالقة، ليؤسسا معًا أسرة تجمع بين أب من أصول مغربية وُلد في مليلية، وأم إسبانية من الجنوب الإسباني، وبيتٍ تعايشت داخله ثقافتان لم تُقدَّما يومًا بوصفهما نقيضتين. هذا التداخل لم يكن عبئًا على اللاعب، بل شكّل مصدر قوة، وهو ما يفسّر بسلاسة اختياره لاحقًا الدفاع عن ألوان المغرب دون تنكّر لمساره الإسباني.
في هذا السياق، لا يمكن فصل قرار إبراهيم تمثيل المنتخب المغربي عن عمق سيرته العائلية. فبعد مروره بجميع الفئات السنية للمنتخب الإسباني، جاء اختياره للمغرب كتتويج طبيعي لانتماء وجداني وثقافي ظل حاضرًا في حياته، رغم احترافه المبكر داخل المنظومة الكروية الأوروبية. وقد لخّص اللاعب هذا التوازن بقوله: «أنا إسباني 100% ومغربي 100%»، وهي عبارة تختزل واقع آلاف المغاربة في الضفة الشمالية للمتوسط.
إبراهيم دياز… نجم يلمع مع «كتيبة الأسود»
ولم يتأخر إبراهيم دياز في ترجمة هذا الانتماء داخل المستطيل الأخضر، إذ بصم على تألق لافت رفقة كتيبة أسود الأطلس في نهائيات كأس إفريقيا للأمم، حيث أضحى أول لاعب في تاريخ المنتخب المغربي يسجل خمسة أهداف متتالية في نسخة واحدة من البطولة القارية، مؤكّدًا مكانته كأحد أبرز نجوم الدورة.
أداء دياز لم يكن مجرد أرقام، بل عكس نضجًا تكتيكيًا وشخصية قيادية داخل مجموعة تسير بثبات وثقة نحو تحقيق حلم التتويج القاري، الذي طال انتظاره. أهدافه الحاسمة، وتحركاته الذكية بين الخطوط، جعلت منه عنصرًا مركزيًا في منظومة لعب المنتخب، وأحد مفاتيح الطموح المغربي لاعتلاء منصة التتويج الإفريقية.
وتكتسب مليلية السليبة هنا دلالة رمزية خاصة. فهي ليست مجرد مدينة وُلد فيها والد اللاعب، بل فضاء يعكس تاريخًا ممتدًا من التداخل والهجرة والارتباط الإنساني بين المغرب وإسبانيا، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة. وفي سيرة إبراهيم دياز، تحضر مليلية باعتبارها حلقة وصل صامتة، لكنها مؤثرة، بين الضفتين.
ورغم عدم تسجيل زيارة رسمية للاعب إلى مليلية، فإن الرابط يبقى قائمًا في الذاكرة العائلية، وفي الجغرافيا غير المرئية التي تشكّل هوية اللاعبين مزدوجي الانتماء. وفي زمن باتت فيه كرة القدم مرآة للتحولات الاجتماعية، يقدم مسار إبراهيم دياز نموذجًا للاعب مغربي حديث، لا تُختزل هويته في جواز سفر أو قميص منتخب، بل تُبنى على تاريخ شخصي وجماعي معقّد ومتداخل.
هكذا، لا تُحتفل أهداف إبراهيم فقط في ملاعب مدريد أو الرباط، بل تمتد أصداؤها إلى أبعد من ذلك، لتُعيد فتح أسئلة أعمق حول الهوية والانتماء والهجرة، وتُذكّر بأن قصص النجاح الكروي كثيرًا ما تبدأ من أماكن هامشية في الجغرافيا، لكنها مركزية في المعنى… ومنها مليلية المحتلة.
11/01/2026