تكشف التقارير الصادرة عن وسائل إعلام إسبانية عن حالة متزايدة من القلق داخل الأوساط العسكرية وابسياسية في إسبانيا، على خلفية الغموض الذي يلف موقف الولايات المتحدة الأمريكية، في عهد الرئيس دونالد ترامب، من وضع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، وعدم تقديم أي ضمانات صريحة بشأن إدراجهما ضمن منظومة الدفاع الجماعي لحلف شمال الأطلسي.
هذا القلق، الذي بدأ يتبلور بشكل واضح بعد مرور عام على عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لا يعكس سوى هشاشة الرهان الإسباني على الحماية الخارجية، خصوصًا في ظل غياب أي التزام أمريكي واضح بالدفاع عن المدينتين اللتين تحتلهما إسبانيا فوق التراب الإفريقي، وخارج السياق الجغرافي الأوروبي.
وتدرك المؤسسة العسكرية الإسبانية أن سبتة ومليلية لا تحظيان بوضع قانوني واضح داخل منظومة الحلف الأطلسي، إذ لا تشملها بنود الدفاع الجماعي بشكل صريح، وهو ما يجعل أي مواجهة أو توتر محتمل في محيطهما مرهونًا بالحسابات السياسية الظرفية، لا بالالتزامات القانونية الثابتة.
في المقابل، يبرز المغرب كفاعل إقليمي صاعد، يعتمد مقاربة هادئة ومتزنة في تدبير ملف وحدته الترابية، مستندًا إلى شرعية تاريخية وقانونية ثابتة، وإلى سياسة خارجية قائمة على بناء الشراكات الاستراتيجية بدل منطق الابتزاز أو التصعيد. وقد نجح المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في تعزيز موقعه داخل المعادلات الإقليمية والدولية، عبر شراكات عسكرية وأمنية واقتصادية متوازنة، في مقدمتها تعاونه المتنامي مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وتُظهر المخاوف الإسبانية المتداولة اليوم إدراكًا متأخرًا لحقيقة جيوسياسية راسخة، مفادها أن استمرار احتلال مدينتين مغربيتين فوق التراب الإفريقي لم يعد يحظى بنفس الغطاء السياسي الدولي الذي كان متوفرًا في السابق، خصوصًا في ظل التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي، وصعود منطق المصالح بدل الشعارات التاريخية.
كما أن القلق الإسباني يعكس وعيًا متزايدًا بأن العلاقات الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة تقوم على الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، وهو ما يمنح الرباط موقعًا تفاوضيًا قويًا في الملفات الإقليمية الحساسة، على رأسها قضية الصحراء المغربية، التي باتت تحظى بدعم دولي متنامٍ لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
إن محاولة بعض الأوساط الإسبانية تصوير هذا الوضع على أنه تهديد، لا يخفي في جوهره أزمة داخلية تتعلق بعجز مدريد عن تقديم رؤية واقعية لمعالجة ملف سبتة ومليلية، بعيدًا عن منطق الأمر الواقع الذي تجاوزه الزمن. فالتاريخ والجغرافيا والقانون الدولي تؤكد أن المدينتين جزء لا يتجزأ من الفضاء المغربي، وأن بقاءهما تحت الاحتلال الإسباني يظل وضعًا شاذًا في القرن الحادي والعشرين.
وفي ظل هذا السياق، يواصل المغرب نهجه المسؤول، القائم على الدفاع عن سيادته ووحدته الترابية بالوسائل السلمية والدبلوماسية، دون السقوط في الاستفزاز أو التصعيد، مع التمسك بحقه المشروع في استكمال وحدته الترابية، بما يشمل سبتة ومليلية والجزر المجاورة.
وإذا كان الغموض الأمريكي يثير القلق في مدريد، فإنه في المقابل يعكس تحوّلًا استراتيجيًا لصالح منطق الشرعية التاريخية والسيادة الوطنية، وهو منطق يزداد ترسخًا مع مرور الوقت، ويضع إسبانيا أمام ضرورة مراجعة مواقفها، بدل الاستمرار في التعويل على مظلات حماية لم تعد مضمونة.
