أثار الحديث المتداول عن نية عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عدم الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب، وعدم خوض أي استحقاقات انتخابية مقبلة، موجة واسعة من التأويلات داخل الأوساط السياسية. فبعيدًا عن التبريرات الرسمية أو الصمت الذي يلفّ الموضوع، تبرز قراءات سياسية ترى في هذا القرار نتيجة مباشرة لاختلال العلاقة بين رئاسة الحكومة ومراكز القرار، في سياق يتسم بتوتر غير مسبوق.
وفق هذه القراءات، فإن تدبير المرحلة الحكومية الحالية لم يحظَ بالرضى المطلوب، سواء من حيث الأداء الاقتصادي أو التعاطي مع الملفات الاجتماعية الملتهبة ، أو حتى الجانب الحقوقي …. وهو ما انعكس، بحسب تقديرات الخبراء ، في تراجع منسوب الثقة السياسية في التحالف الحكومي، لاسيما بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، اللذين حمّلهما جزء كبير من الرأي العام مسؤولية الإخفاق في تنزيل الوعود الانتخابية.
وتشير المعطيات إلى أن أخنوش كان يراهن على استمرار الدعم السياسي والمؤسساتي، عبر إشارات تسمح له بقيادة الحكومة المقبلة بعد انتخابات صيف 2026. غير أن غياب أي مؤشرات إيجابية في هذا الاتجاه، بالتوازي مع تصاعد الانتقادات الشعبية، عزّز فرضية أن الرجل بات خارج حسابات المرحلة القادمة، أو على الأقل لم يعد يحظى بالدعم الذي أوصله إلى رئاسة الحكومة.
في المقابل، لا يمكن فصل هذا التطور عن الدينامية الاحتجاجية التي عرفتها عدة مدن، حيث خرجت فئات واسعة، خاصة من الشباب، في مسيرات عبّرت عن رفضها للسياسات الحكومية، ونددت بارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية واتساع الفوارق الاجتماعية. هذه الاحتجاجات، التي اتخذت طابعًا سلميًا لكنها كثيفة الدلالة، أعادت إلى الواجهة سؤال الشرعية الاجتماعية للأغلبية الحكومية، ومدى قدرتها على الاستمرار بنفس النفس السياسي.
كما أن التراجع الملحوظ في شعبية الحزب القائد للحكومة، وفق مؤشرات غير رسمية، شكّل عامل ضغط إضافي، خصوصًا في ظل اقتراب استحقاقات انتخابية مفصلية، تتطلب وجوهًا قادرة على امتصاص الغضب الاجتماعي واستعادة الثقة، لا تكريس القطيعة.
أمام هذا المشهد، يبدو أن إعلان الانسحاب – الذي أكده أخنوش رسميًا – لا يمكن قراءته كقرار شخصي معزول، بل كخلاصة لمسار سياسي بلغ سقفه، ورسالة ضمنية مفادها أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات ووجوه مختلفة، أكثر انسجامًا مع انتظارات الشارع ومتطلبات التوازن السياسي.
ويبقى السؤال الجوهري مطروحًا: هل نحن أمام نهاية هادئة لمسار أخنوش السياسي، أم مجرد إعادة تموضع تكتيكية في انتظار اتضاح ملامح ما بعد 2026؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان هذا “الانسحاب الصامت” اختيارًا أم نتيجة حتمية لمعادلات سياسية تغيّرت دون رجعة.
12/01/2026