لم يعد حضور المغرب في الإعلام الإسباني مرتبطًا فقط بملفات الهجرة أو الجغرافيا السياسية، بل باتت كرة القدم تحتل موقعًا مركزيًا في هذا التناول، خصوصًا مع احتضان المملكة لكأس إفريقيا، واقتراب استحقاق مونديال 2030 المشترك مع إسبانيا والبرتغال. غير أن قراءة مضامين الصحافة الإسبانية تكشف ازدواجية واضحة: إعجاب بالنجاح التنظيمي يقابله قلق مبطن من صعود النفوذ المغربي.
الإعلام الإسباني، كما يظهر في عدد من التقارير والتحليلات، يعترف صراحة بأن المغرب نجح في توظيف كرة القدم كأداة فعالة لتعزيز صورته دوليًا، مبرزًا جودة الملاعب، والامتلاء الجماهيري، والاستقرار الأمني، فضلًا عن الحضور القوي للمنتخب الوطني، رجاليًا ونسويًا. وهي إشادات لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة، وتعكس تحولًا في النظرة التقليدية للمغرب كدولة «طرفية» في المجال الرياضي.
غير أن هذا الإعجاب لا يأتي خاليًا من نبرة تشكيك. فجزء من الإعلام الإسباني يصرّ على إدراج كل نجاح رياضي مغربي ضمن خانة «القوة الناعمة»، وكأن الأمر لا يمكن أن يكون ثمرة مسار تنموي طويل أو إرادة مجتمعية حقيقية، بل مجرد استراتيجية سياسية لتصدير صورة محسوبة بدقة. هنا، يتحول التحليل أحيانًا إلى هاجس نفوذ أكثر منه قراءة موضوعية.
ويبدو هذا التناول انتقائيًا. فحين تستثمر دول أوروبية أو خليجية في الرياضة، يُقدَّم الأمر باعتباره رؤية اقتصادية أو رهانًا ثقافيًا، بينما يُربط الاستثمار المغربي مباشرة بإشكالات الشرعية والاحتجاجات الاجتماعية. صحيح أن المغرب، كغيره من الدول، يواجه تحديات اجتماعية حقيقية، لكن اختزال مشروع رياضي متكامل في زاوية الاحتجاج فقط يعكس قراءة غير متوازنة.
كما يلفت الانتباه أن الإعلام الإسباني، رغم إشادته بانخراط المرأة المغربية في الفضاءات الرياضية والمدرجات، غالبًا ما يتعامل مع هذا التحول كاستثناء مؤقت أو نتيجة ظرف رياضي، لا كتعبير عن تحولات اجتماعية أعمق يعرفها المجتمع المغربي منذ سنوات، وهو ما يكشف استمرار بعض الصور النمطية في الخلفية التحريرية.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن التناول الإسباني يعكس أيضًا قلقًا تنافسيًا مشروعًا. فالمغرب لم يعد مجرد جار جنوبي، بل شريكًا رياضيًا وتنظيميًا قادرًا على النجاح، بل وعلى فرض نفسه كنقطة ارتكاز إفريقية ومتوسطية. وهذا التحول يفرض على الإعلام الإسباني إعادة ترتيب زوايا النظر، حتى وإن بدا ذلك أحيانًا في صيغة حذر أو تشكيك.
خلاصة القول، إن تناول الإعلام الإسباني للنجاح الكروي المغربي يتأرجح بين الاعتراف والريبة. أما من زاوية مغربية، فالمطلوب ليس البحث عن تصفيق خارجي، بل ترسيخ مسار وطني يعتبر الرياضة رافعة للتنمية والاندماج وتعزيز الصورة الدولية، مع وعي بأن كل نجاح حقيقي يخلق بالضرورة نقاشًا… وربما قلقًا لدى الآخرين.
14/01/2026