شهدت قرية الصيد البويردة بمنطقة تشيكا، جنوب مدينة الداخلة، مساء امس الأربعاء وضعًا مقلقًا بعدما اضطرت حوالي 160 قاربًا للصيد التقليدي إلى البقاء قبالة الشاطئ، نتيجة منع القوارب العائدة من رحلات الصيد من بلوغ اليابسة بعد غروب الشمس، تنفيذًا لتعليمات صادرة عن السلطات المختصة تقضي بعدم السماح بالرسو الليلي، وهو إجراء معمول به منذ مدة.
ولا يقتصر هذا القرار على منطقة الداخلة وحدها، إذ تُطبَّق تعليمات مماثلة في معظم موانئ المملكة، من فم واد بوقانا ببحيرة مارشيكا بالناظور، مرورًا بالسعيدية، وصولًا إلى لݣويرة، في إطار مقاربة تنظيمية موحّدة لا تميّز بين الموانئ ولا تراعي خصوصيات الصيد التقليدي واختلاف ظروفه من منطقة إلى أخرى.
وبموجب هذا الإجراء، وجد العشرات من البحارة أنفسهم مجبرين على قضاء ليلة كاملة بالقرب من الشاطئ في ظروف قاسية، خاصة في ظل البرودة الشديدة وغياب أبسط شروط الراحة والأمان. وضع يزيد من معاناة البحارة بعد رحلات صيد شاقة تمتد لأميال بحرية بعيدة، على متن قوارب صغيرة تفتقر لأماكن الراحة والنوم، ولا تتوفر على المرافق الضرورية للحياة، ما يحوّل العودة من البحر إلى اختبار إضافي للتحمّل بدل أن تكون لحظة أمان.
ولا يقتصر هذا الوضع على المساس بالسلامة الجسدية للبحارة فقط، بل يطال كرامتهم واستقرارهم النفسي والمهني، كما يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بظروف العمل داخل قطاع الصيد التقليدي، وقد تكون له انعكاسات سلبية على استمرارية هذا النشاط الحيوي، خاصة في مناطق يُعد فيها الصيد مصدر العيش الوحيد لعدد كبير من الأسر.
وأمام هذه الأوضاع القاسية، يبرز مطلب فتح حوار جاد ومسؤول بين السلطات المعنية ومهنيي القطاع كخيار لا محيد عنه، من أجل البحث عن حلول عملية ومتوازنة تراعي متطلبات السلامة والتنظيم، وفي الوقت نفسه تأخذ بعين الاعتبار الواقع الصعب الذي يعيشه البحارة. فالمقاربة التشاركية تبقى السبيل الأمثل لضمان ممارسة مهنية إنسانية وآمنة تحفظ كرامة البحار وتؤمن استمرارية العمل.
أما إلى أن يتحقق ذلك، فيبدو أن على البحارة أن يتقنوا فن الصبر البحري، وأن يضيفوا إلى معدات الصيد شايًا ساخنًا وأغطية ثقيلة… فالبحر مفتوح للصيد، لكن اليابسة لا تفتح أبوابها إلا في الصباح.
15/01/2026