لم يكن المؤتمر الجهوي التأسيسي لشبيبة حزب الأصالة والمعاصرة، المنعقد عشية السبت بمدينة الدريوش، مجرد موعد تنظيمي عابر في رزنامة الأحزاب، بل تحوّل إلى عرض سياسي–معدي مكتمل الشروط، حيث امتزجت الخطب بالشوايات، وتجاورت وعود “تمكين الشباب” مع خروف مشوي يتصدر المشهد أكثر من أي بيان ختامي.
في القاعة، حضرت الأسماء الثقيلة: وزير الإدماج الاقتصادي والتشغيل يونس السكوري، وزير التعليم العالي عز الدين الميداوي، رئيس الفريق النيابي أحمد تويزي، وقيادات جهوية وبرلمانيون. أما الشباب، محور المؤتمر نظريًا، فكان حضورهم العملي أوضح حول الموائد منه خلف الميكروفونات، في مشهد بدا فيه الكرسي أقل إغراءً من الصحن.
المنشور الرسمي للمؤتمر انقسم بدوره إلى صفحتين: الأولى مغمورة بالشعارات الكبرى عن “الأصالة” و“المعاصرة” و“التنمية”،
والثانية، أكثر صدقًا ووضوحًا، تعرض “المينو” الحقيقي: خروف مشوي، دجاج محمّر، تقليّة، حلويات وفواكه… تنمية غذائية مكتملة العناصر، عالية السعرات، منخفضة الخطابات.
بدا أن تفاصيل المائدة أوضح من البرنامج السياسي، وأن رائحة الشواء أقوى من نبرة الخطب.
وبينما كانت الكلمات الرسمية تُمطر القاعة بمصطلحات من قبيل “إشراك الشباب” و“الاندماج الاجتماعي”، كان التطبيق العملي يجري بهدوء حول الطاولات. هناك، لا حاجة لبطاقة انخراط ولا لتصفيق مُوجَّه، فقط شوكة، سكين، ومعدة مستعدة لاستقبال نسخة خاصة من “المشروع المجتمعي”. حتى الشعارات بدت وكأنها طُبخت على مقاس الأطباق، في محاولة لجمع الأصالة والمعاصرة داخل طبق واحد… مُتبَّل بروح سياسية موسمية.
وعلى هامش المؤتمر، لم تخلُ الأحاديث من السياسة الثقيلة، تلك التي تُهمَس بين لقمة وأخرى. فقد تسرّبت أخبار عن ملامح المرحلة المقبلة، عقب إعلان عزيز أخنوش تنحيه عن قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار. في الكواليس، بدا أن “الجرار” يُعيد ضبط بوصلته، وأن “الحمامة” قد تتحول من حليف ظرفي إلى طبق سياسي قابل للمضغ الانتخابي.
ولم يكتمل الطبق دون الحديث عن كواليس الخلافة داخل حزب “الأحرار”، حيث جرى تداول اسم سعد برادة كأقرب وصفة جاهزة لتعويض أخنوش. طبخة سياسية تُحضَّر على نار هادئة وبغطاء محكم، بعكس مشهد الشواء في الدريوش، حيث كانت اللحوم تُقلَب على عجل، وتُرشّ بالبهارات، كما تُرشّ الوعود قبيل كل استحقاق.
مواقع التواصل الاجتماعي لم تتأخر في التقاط النكهة. تعليقات ساخرة اجتاحت الفضاء الرقمي، مُحوِّلة المؤتمر إلى “عرس سياسي”. كتب محمد: “فين الأثمنة؟ حزب شهي بزاف! كيشويو لحوالة فالمؤتمر، وكيرجعو يشويو لحوالة فالانتخابات!”
فيما لخّص عادل المشهد قائلًا: «عرس ديمقراطي هه… هذا هو المؤتمر وإلا فلا! إشراك الشباب… على الطريقة المشوية!”
وما بين شواء اللحم اليوم، وشواء الوعود غدًا، ترسّخ في المخيال الرقمي توصيف واحد: السياسة حين تفقد حرارتها في القاعة، تبحث عنها فوق الفحم.
وفي ختام المؤتمر، غادر الحاضرون القاعة بانطباعات مختلفة، لكن بثلاث خلاصات مشتركة: الأولى، أن الأصالة والمعاصرة يمكن جمعهما فعلًا… في طبق واحد.
الثانية، أن إشراك الشباب أسهل حول المائدة منه داخل دوائر القرار.
أما الثالثة، فإن السياسة، مثل الشواء، تحتاج نارًا هادئة، لكنها تُقدَّم دائمًا ساخنة… ولو احترق المعنى.
ودون إغفال فقاعات المشروبات الغازية التي رافقت الموائد، تمامًا كما ترافق الوعودُ كل موسم انتخابي، ومع المرور السريع على كؤوس نخبٍ سبقت المؤتمر وتلت “الوجبة السياسية” من طرف بعض أعضاء المكتب السياسي، يظل المشهد معبّرًا عن أسلوب إدارة بعض اللحظات الحزبية في المغرب:
خطاب نهارًا … واحتفال ليلًا.
17/01/2026