في اعتراف متأخر يفضح حجم الجريمة ولا يخفف من بشاعتها، أقرّ المرشد الصفوي الإيراني علي خامنئي، وللمرة الأولى، بسقوط آلاف القتلى خلال موجة الاحتجاجات التي اجتاحت إيران خلال الأسبوعين الماضيين، في مشهد دموي يعكس الطبيعة القمعية لنظام لا يرى في شعبه سوى خصم يجب سحقه.
ورغم اعترافه بحصول عمليات قتل «غير إنسانية ووحشية»، لم يتردد خامنئي في التنصل من مسؤوليته المباشرة، مفضّلًا الهروب إلى شماعة المؤامرة واتهام الولايات المتحدة بإشعال ما أسماه «الفتنة».
وفي خطاب مليء بالتحريض والكراهية، أطلق المرشد الذي يحكم إيران بقبضة من حديد منذ عقود، دعوة صريحة لمعاقبة المحتجين بقسوة، مكرسًا منطق الإبادة السياسية بدل الحوار، ومؤكدًا مرة أخرى أن النظام الصفوي لا يفهم سوى لغة الرصاص والسجون والمشانق.
ولم يكتفِ خامنئي بتبرير القتل الجماعي، بل ذهب إلى حد تمجيده، داعيًا الإيرانيين إلى «كسر ظهر» المحتجين، في تعبير يكشف الذهنية العنيفة لحاكم يرى في المطالب الشعبية خطرًا وجوديًا على سلطته المطلقة.
وبالتوازي مع هذا الخطاب الدموي، سارعت السلطات الإيرانية إلى بث مقاطع مصورة مشكوك في مصداقيتها، زاعمة أنها تُظهر مسلحين وسط المتظاهرين، في محاولة مكشوفة لتشويه حراك شعبي سلمي وتبرير آلة القمع، وفق الأسلوب ذاته الذي دأبت عليه طهران في كل انتفاضة داخلية.
ولم يكن رجال الدين المتشددون أقل تطرفًا، إذ دعا أحد أبرزهم صراحة إلى إعدام المحتجين، ووصمهم بكونهم «عملاء» و«جنودًا» لقوى أجنبية، في خطاب تحريضي يعكس انهيارًا أخلاقيًا ودينيًا لمؤسسة دينية تحولت إلى أداة قمع سياسي.
ويُعدّ أحمد خاتمي، أحد أركان التشدد داخل النظام وعضو مجلس صيانة الدستور، نموذجًا صارخًا لهذا التداخل الخطير بين السلطة الدينية والقمع الدموي، حيث يستخدم منابر الجمعة للتحريض بدل التهدئة، ولشرعنة العنف بدل حماية الأرواح.
وفي الوقت الذي حاول فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب الظهور بمظهر المتدخل لوقف الإعدامات، أكدت منظمات حقوقية دولية أن القتل والاعتقال والتعذيب ما تزال مستمرة بوتيرة مقلقة، وسط تعتيم إعلامي خانق وقطع شبه كامل للإنترنت.
وبحسب تقارير حقوقية، تجاوز عدد القتلى ثلاثة آلاف شخص، فيما زُجّ بأكثر من 22 ألف مواطن في السجون، في واحدة من أوسع حملات القمع التي تشهدها إيران منذ ثورة 1979، ما يرسّخ صورة نظام فقد أي شرعية أخلاقية أو سياسية.
الاحتجاجات، التي اندلعت شرارتها بسبب الانهيار الاقتصادي وسقوط العملة، سرعان ما تحولت إلى صرخة شعبية تطالب بإسقاط نظام قائم على القمع والفساد وتقديس المرشد، وهو ما يفسر الرد العنيف الذي اختاره خامنئي وأجهزته الأمنية.
ورغم تراجع زخم الاحتجاجات ميدانيًا بفعل القمع، فإن الغضب الشعبي لم يخمد، بل دخل مرحلة جديدة أكثر خطورة على النظام، في ظل عزلة دولية متزايدة وتصدع داخلي واضح.
وفي الخارج، واصل معارضون بارزون، من بينهم رضا بهلوي، دعواتهم إلى إنهاء حكم الملالي، مؤكدين أن الشعب الإيراني لن يتراجع عن نضاله مهما بلغت كلفة القمع.
18/01/2026