فجّر تسريب امتحان مادة الرياضيات الخاص بمؤسسات “الريادة” للتعليم الابتدائي عاصفة من الجدل داخل المنظومة التربوية، وأشعل نقاشًا واسعًا في أوساط الرأي العام، بعدما وُضعت مصداقية هذا النموذج التعليمي تحت المجهر. الواقعة دفعت وزارة التربية الوطنية إلى التحرك العاجل، بإطلاق تحقيق رسمي واتخاذ قرارات صارمة همّت تنظيم الامتحانات وفروض المراقبة المستمرة.
وكشفت معطيات موثوقة أن الوزارة باشرت تحقيقًا معمقًا شمل جميع مستويات التعليم الابتدائي، من الأول إلى السادس، بهدف تعقّب مسار التسريب وتحديد المسؤوليات المحتملة، سواء تعلق الأمر بإداريين أو أطر تربوية أو حتى مراكز الاستنساخ. كما تقرر برمجة امتحان تعويضي لمادة الرياضيات مباشرة بعد عطلة الفصل الدراسي الأول من الموسم الدراسي 2025/2026، خلال شهر فبراير المقبل، وهو إجراء سيؤدي إلى تأخير إعلان نتائج التلاميذ بأزيد من 6628 مؤسسة ابتدائية.
وفي موازاة مع مسار التحقيق، شرعت الوزارة، عبر المركز الوطني للامتحانات، في إعادة ترتيب شاملة ودقيقة لكافة مراحل تنظيم الامتحانات داخل مؤسسات “الريادة”، بدءًا من إعداد المواضيع، مرورًا بعمليات الاستنساخ والتوزيع، وصولًا إلى التصحيح وتدوين النتائج، في محاولة لسد الثغرات التي كشفتها هذه الفضيحة.
وللحد من تكرار مثل هذه الحوادث، اتخذت الوزارة خطوة احترازية تمثلت في مراجعة مسطرة تنظيم فروض المراقبة المستمرة والامتحانات المحلية والإقليمية، حيث تقرر التخلي عن نظام الامتحان الوطني الموحد، والعودة إلى إسناد مهام الإعداد والاستنساخ إلى اللجان الإقليمية، كما كان معمولًا به قبل إطلاق مشروع “الريادة”. خطوة ترى فيها الوزارة وسيلة لتقليص احتمالات التسريب وضمان تكافؤ الفرص بين المتعلمين.
وتضع هذه الواقعة مؤسسات “الريادة”، التي قُدّمت باعتبارها رهانًا على التجديد التربوي، أمام امتحان حقيقي يتعلق بمدى احترامها لمبادئ الشفافية والمساءلة. كما أعادت إلى الواجهة أسئلة حارقة حول فعالية آليات المراقبة الداخلية وقدرة المدارس على تدبير امتحانات مؤطرة وذات طابع وطني دون المساس بنزاهة العملية التعليمية.
وفي السياق ذاته، شدد فاعلون تربويون ومدونون على ضرورة عدم الاكتفاء بتعديل المساطر التنظيمية، مطالبين بمحاسبة كل من ثبت تورطه في هذا التسريب، باعتبار أن المدرسة ليست فقط فضاءً للتقييم، بل مجالًا لترسيخ القيم الأخلاقية منذ السنوات الأولى للتعليم.
ويأتي هذا الحدث ليختبر توجه الوزارة نحو تحديث نموذج “الريادة”، في مسعى صعب يجمع بين الطموح إلى الابتكار البيداغوجي والحاجة الملحّة إلى حماية النزاهة التربوية، في ظل تحديات متزايدة تتعلق بالرقابة والتأطير ومواجهة كل أشكال الغش والتلاعب.
21/01/2026