كشفت معطيات رسمية إسبانية أن مدريد ضاعفت وارداتها من الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة خلال السنة الأولى من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تحول لافت يعكس إعادة رسم خريطة التزويد الطاقي بإسبانيا وأوروبا.
ووفق ما أوردته صحيفة إسبانية، فقد استوردت إسبانيا خلال سنة 2025 ما مجموعه 111.660 جيغاواط/ساعة من الغاز الأمريكي، مقابل 56.435 جيغاواط/ساعة فقط في سنة 2024، أي بزيادة تفوق 100 في المئة، وهو رقم قياسي غير مسبوق.
ورغم أن الجزائر لا تزال المزوّد الأول لإسبانيا بنسبة 34.5% من إجمالي واردات الغاز، فإن الأرقام الجديدة تُظهر بوضوح أن الولايات المتحدة أصبحت ثاني أكبر مزوّد بنسبة تقارب 30%، بعدما لم تكن حصتها تتجاوز 16.6% في السنة السابقة.
هذا التراجع النسبي في الهيمنة الجزائرية على السوق الإسبانية يأتي في سياق توتر العلاقات السياسية بين مدريد والجزائر خلال السنوات الأخيرة، ما دفع إسبانيا إلى تسريع تنويع شركائها الطاقيين وتقليص اعتمادها على مصدر واحد، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية والضغوط الأوروبية.
وخلال سنة واحدة فقط، استقبلت محطات إعادة التغويز السبع بإسبانيا 110 ناقلات غاز أمريكية ضخمة، أغلبها قادم من ولايتي تكساس ولويزيانا، حيث دخل الغاز أساسًا عبر موانئ بلباو وهويلفا، اللتين اشتغلتا قرب طاقتهما القصوى.
كما شملت الشحنات موانئ برشلونة، ساغونتو، قرطاجنة، موغاردوس، ومحطة إل موسيل، ما يؤكد أن الغاز الأمريكي بات عنصرًا محوريًا في الأمن الطاقي الإسباني.
ويُنظر إلى هذا التحول على أنه مؤشر مقلق للجزائر، التي لطالما استعملت ورقة الغاز كأداة نفوذ إقليمي، خاصة مع دول جنوب أوروبا. فالتوسع السريع للغاز الأمريكي، إلى جانب استمرار إسبانيا في استيراد الغاز من دول أخرى مثل نيجيريا وقطر وأنغولا، يضعف تدريجيًا القدرة الجزائرية على فرض شروطها.
ورغم استمرار تدفق الغاز الجزائري عبر الأنابيب، فإن الاتجاه العام يشير إلى تراجع الاعتماد الاستراتيجي عليه، مقابل صعود الغاز المسال القادم عبر البحر، والذي يمنح إسبانيا مرونة أكبر في التفاوض والتزود.
ولم يقتصر الأمر على تلبية الطلب الداخلي، إذ صدّرت إسبانيا حوالي 20% من الغاز المستورد إلى دول أوروبية، خاصة عبر الربط مع فرنسا، ليصل جزء منه إلى السوق الألمانية، ما يعزز موقع مدريد كمحور طاقي إقليمي.
وبينما تواصل الجزائر تقديم نفسها كـ«قوة طاقية لا غنى عنها»، تكشف الأرقام أن السوق الأوروبية لم تعد تنتظر أحدًا، وأن من يراهن على الغاز كورقة ضغط سياسية قد يجد نفسه، في نهاية المطاف، يشاهد الناقلات تمر من أمامه… دون أن تتوقف عند موانئه.
23/01/2026