بعد المقال الذي نشرته جريدة “كواليس الريف” ( أنظر أسفله ) ، والذي فجّر موجة غضب غير مسبوقة داخل إقليم الناظور وخارجه، وحرّك الرأي العام ، دخل ملف المقلع الغير المرخّص مرحلة جديدة عنوانها: الارتباك، التسابق، ومحاولات الاحتواء، في وقت بدأت فيه تتقاطع المعطيات لتكشف أن الأمر يتجاوز مجرد خرق إداري، ليقترب من فضيحة بيئية ومالية مركّبة.
مصادر متطابقة أفادت أن عامل إقليم الناظور، جمال الشعراني، المعروف بصرامته وعدم تساهله مع ما يُصنَّف ضمن “النقط السوداء”، أعطى تعليماته الصارمة بضرورة التدقيق في هذا الملف. غير أن هذه التعليمات، تقول المصادر نفسها، عجّلت بتحركات مكوكية خلف الكواليس، تحركات لم تكن في اتجاه التطبيق الصارم للقانون بقدر ما كانت في اتجاه إعادة ترتيب الأوراق واحتواء التداعيات.
فمباشرة بعد نشر المقال، عُقد اجتماع مستعجل جمع مسؤولًا بالمديرية الإقليمية للتجهيز بالناظور بصاحب المقلع، المعروف باسم محمد.ميزيريا، حيث جرى، وفق مصدر جدير بالثقة ، حثّه على “تسوية وضعيته” بشكل سريع، مقابل مضاعفة الإتاوات وبسخاء أكبر، في محاولة واضحة لامتصاص الضغط ، مع السعي إلى استمالة مصالح معنية قصد صياغة تقرير “مفصّل على المقاس”.
وفي موازاة ذلك، عاين مبعوث “كواليس الريف” ، منتصف نهار يومه الإثنين، لقاء “مشبوه”، جمع صاحب المقلع برئيس جماعة أولاد داود الزخانين، التي يحتضن ترابها موقع الاستغلال، على حدود.جماعة رأس الماء، وذلك بمحطة الوقود برأس الماء، المملوكة لنفس الشخص ( ميزيريا ) ، بمسؤول بالمياه والغابات بإقليم الناظور.
تسريبات خطيرة تحصلت عليها “كواليس الريف”، خلال هذا اللقاء ، تفيد أنه تم الاتفاق على إخراج تقرير يصب في صالح صاحب المقلع، مع توصية مباشرة من مسؤول بالمياه والغابات بضرورة الأخذ بـ“إملاءاته” في الصيغة النهائية للتقرير .
وتفيد معطيات حصلت عليها كواليس الريف أن الترخيص القانوني السابق لاستخراج الرمال والحصى من قاع الواد، الصادر عن وكالة الحوض المائي، انتهت صلاحيته منذ حوالي سنتين، دون تسجيل أي تجديد قانوني أو تسوية للوضعية. ورغم ذلك، لم يتوقف النشاط، بل توسّع بشكل لافت ليشمل جنبات الواد وأراضي تابعة للمياه والغابات، وعلى مقربة من محيط طبيعي مصنّف وحسّاس بيئيًا.
هذا التوسّع، بحسب مصادر بيئية، يُشكّل خرقًا واضحًا لمقتضيات القانون 27.13 المتعلق بالمقالع ، والقانون 12.03 الخاص بدراسات التأثير على البيئة ، والنصوص المنظمة لحماية الملك الغابوي والمجالات الهشة .
وتتحدث مصادر ميدانية عن أن وتيرة الاستغلال الحالية تُدرّ مداخيل يومية تُقدَّر بحوالي 30 مليون سنتيم، دون أن تنعكس هذه المبالغ على ميزانية الجماعة الترابية المعنية، التي لم تستفد من أي رسوم أو مداخيل قانونية، ما يطرح تساؤلات حارقة حول مصير هذه الأموال، وحدود مسؤولية المتدخلين في المراقبة والتتبع.
المصادر نفسها تتحدث عن رشاوى وإتاوات قُدّمت لتفادي تفعيل المساطر القانونية الجاري بها العمل، مساطر من شأنها – لو طُبّقت – حماية المال العام ووقف نزيف الاستغلال العشوائي، بدل إغراق جماعة توصف اليوم بـ“المنكوبة” في مزيد من الهدر.
خبراء بيئيون حذّروا من أن الاستغلال العشوائي للرمال والحصى تسبّب في: تغيّر مجرى الواد ، تآكل التربة وانجرافها ، تهديد الغطاء النباتي والإخلال بالتوازن الإيكولوجي لمجال مصنّف .
وهي أضرار قد تكون غير قابلة للإصلاح على المدى القريب في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
والأخطر من ذلك، ما يُتداول بشأن اقتناء رئيس الجماعة المنتمي لحزب الأصالة والمعاصرة، بقعة أرضية كبيرة بمدينة بركان، بثمن يناهز 9000 درهم للمتر المربع، يُقال إنها من عائدات تلك الإتاوات، في خطوة تطرح أكثر من علامة استفهام حول تضخم مفاجئ في الثروة، وتفتح الباب أمام سؤال مشروع: من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يحمي القانون حين يصبح عبئًا؟
كما تشير مصادر متداولة إلى أن اسم صاحب محطة الوقود برأس الماء، الملقب بـ“محمد ميزيريا”، سبق أن ارتبط بملفات قضائية قديمة راجت حول أنشطة غير مشروعة، وهي معطيات تتطلب تدقيقًا رسميًا ولا تغني عن قرينة البراءة، لكنها تزيد من حساسية هذا الملف وتعقيده.
ما يجري اليوم حول هذا المقلع المثير للجدل لم يعد مجرد “اختلال إداري” عابر، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لهيبة الدولة، ولمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإمّا أن تنتصر سلطة القانون، وإمّا أن نُسلِّم بأن التقارير تُفصَّل في محطات الوقود، وأن المال قادر على ترويض المؤسسات، وتحويل الجماعات الترابية إلى ملحقات لمشاريع عشوائية.
إن أخطر ما في هذا الملف ليس ما كُشف عنه، بل ما قد يُطمس تحت عناوين “التسوية” و“المعالجة الإدارية”، لأن أي تأخير في فتح تحقيق مستقل ونزيه سيُفهم، شئنا أم أبينا، على أنه تزكية للصمت، ومكافأة للتواطؤ، ورسالة خطيرة مفادها أن النفوذ قد يكون فوق المساءلة.
— مقال ذي صلة :
26/01/2026