في قراءة مغايرة للقرار الصادر عن المحكمة الدستورية رقم 261/26، يطفو إلى السطح فشل سياسي وتشريعي جديد للحكومة، التي اختارت مرة أخرى منطق فرض الأمر الواقع بدل احترام روح الدستور ومقتضياته. فإسقاط عدد من مواد مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة لم يكن مجرد إجراء تقني، بل صفعة دستورية كشفت حدود المقاربة الحكومية في تدبير قطاع حساس يفترض فيه أن يكون ركيزة للديمقراطية لا مجالا للتجريب أو التضييق.
القرار الدستوري عرّى بوضوح ارتباك الأغلبية الحكومية، التي أبانت عن عجزها عن إنتاج تشريعات متوازنة تحترم استقلالية المؤسسات، واختارت بدل ذلك سن نصوص مثيرة للجدل، محكومة بهاجس التحكم والوصاية، في تناقض صارخ مع الشعارات المرفوعة حول الإصلاح والانفتاح.
كما أعاد هذا الحكم التأكيد على أن المحكمة الدستورية باتت خط الدفاع الأخير في وجه نزعات تشريعية تميل إلى الالتفاف على الدستور، وتُسخِّر القوانين لخدمة حسابات سياسية ضيقة، لا علاقة لها لا بتطوير المهنة ولا بحماية حرية الصحافة. وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول كفاءة الحكومة في فهم حدودها الدستورية، واحترامها لمبدأ التوازن بين السلط.
وفي مقابل هذا الإخفاق الحكومي، برز دور المعارضة البرلمانية التي نجحت، رغم تباين مرجعياتها، في توحيد موقفها ضد مشروع قانون وُلد محمّلا بروح الإقصاء والتضييق، ما يؤكد أن الدفاع عن حرية الصحافة لا يزال ممكنا حين تتقدم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية.
إن الرسالة التي بعثت بها المحكمة الدستورية واضحة: لا مجال للتشريع على المقاس، ولا شرعية لأي محاولة لتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى أداة ضبط سياسي أو واجهة قانونية لإعادة إنتاج الريع داخل القطاع. فالصحافة ليست ملحقا إداريا لدى الحكومة، بل سلطة مجتمعية مستقلة دورها الرقابة وفضح الاختلالات لا تلميع السياسات الفاشلة.
وأمام هذا الوضع، تبدو الحكومة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمراجعة اختياراتها والتخلي عن منطق العناد التشريعي، وفتح نقاش جدي ومسؤول حول تنظيم ذاتي حقيقي للصحافة، يحترم الدستور ويصون التعددية، بدل الإصرار على مقاربات أثبتت المحكمة الدستورية نفسها عدم مشروعيتها
26/01/2026