في مشهد يختزل تناقضات الخطاب الأوروبي بشأن العقوبات المفروضة على روسيا، اختارت إسبانيا مرافقة ناقلة نفط خاضعة لعقوبات الاتحاد الأوروبي إلى ميناء طنجة المتوسط، بدل حجزها أو مصادرتها، رغم وضوح وضعها القانوني وورود اسمها ضمن لوائح العقوبات منذ سنة 2024.
الناقلة المعنية، تشاريوت تايد، التي ترفع علم موزمبيق، كانت محمّلة بأكثر من 425 ألف لتر من النفط الروسي، قبل أن تتعطل قبالة سواحل الناظور وألميريا نتيجة أعطال تقنية في أنظمة الملاحة. ورغم أن الحادث وقع داخل نطاق المراقبة البحرية الإسبانية، اختارت مدريد الاكتفاء بمرافقة السفينة نحو المياه المغربية، حيث تدخلت قاطرات مغربية لسحبها إلى ميناء طنجة المتوسط.
ووفق ما نقلته وكالة رويترز، امتنعت السلطات الإسبانية عن تقديم أي تفسير رسمي لعدم حجز الناقلة، في وقت يثير فيه هذا القرار تساؤلات قانونية وسياسية داخل الأوساط الأوروبية، خاصة في ظل تشدد دول أخرى في تطبيق نظام العقوبات.
قبل أيام فقط من هذا الحادث، أقدمت فرنسا على مصادرة ناقلة النفط غرينش في عرض البحر الأبيض المتوسط، بسبب المخالفات نفسها المرتبطة بنقل النفط الروسي الخاضع للعقوبات. ولم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في التأكيد على أن بلاده «لن تتساهل مع أسطول الظل الروسي».
وبينما ترفع باريس شعار الصرامة، اختارت مدريد مسارًا مغايرًا، أقرب إلى «المرافقة الدبلوماسية»، في مشهد يعكس ازدواجية فاضحة داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تختلف قواعد تطبيق العقوبات باختلاف الحسابات السياسية والجيوستراتيجية.
هذا الحادث أعاد إلى الواجهة الدور المتنامي لميناء طنجة المتوسط في سلاسل الإمداد الطاقية، وهو الدور الذي تصفه بعض الأوساط الإسبانية، بلهجة اتهامية، بأنه «مركز لإعادة وسم المحروقات». ووفق معطيات متداولة في الإعلام الإسباني، تصل شحنات نفط روسي إلى الموانئ المغربية، قبل إعادة تصديرها نحو أوروبا بهوية تجارية مختلفة.
وفي هذا السياق، تشير الأرقام إلى أن إسبانيا ضاعفت وارداتها من الديزل المغربي بنحو 20 مرة منذ سنة 2023، مقابل فاتورة تقارب ملياري يورو، ما أثار غضبًا في الأوساط الصناعية الإسبانية، التي ترى أن شركاتها تُعاقَب بالامتثال الصارم للمعايير الأوروبية، بينما يستفيد آخرون من مرونة جيوسياسية أكثر براغماتية.
يتزامن هذا الجدل مع معطى بالغ الدلالة، يتمثل في تجاوز ميناء طنجة المتوسط لميناء الجزيرة الخضراء من حيث حجم حركة الحاويات، وهو ما يعكس تحولًا استراتيجيًا في ميزان اللوجستيك البحري بغرب البحر الأبيض المتوسط. تحول لا يخفي قلقًا إسبانيًا متزايدًا من صعود المغرب كمركز إقليمي للطاقة والتجارة، مدعومًا باستقرار سياسي وخيارات اقتصادية مرنة.
في خاتمة المشهد، لا يبدو أن ما تسميه بعض الأوساط الإسبانية بـ«التحايل الطاقي» سوى تعبير عن ضيق من واقع جديد: عقوبات تُطبَّق بانتقائية، وأساطيل تُلاحَق في مياه، وتُرافَق في مياه أخرى، ونفط «محرَّم» يتحول فجأة إلى «حلال تجاري» بمجرد تغيير الميناء.
أما إسبانيا، التي لم تجد حرجًا في مرافقة ناقلة خاضعة للعقوبات إلى ميناء مغربي «تفاديًا للإزعاج»، فربما عليها أولًا أن تحسم موقفها: هل تريد فعلًا محاربة نفط الظل، أم الاكتفاء بإلقاء اللوم على من يعرف كيف يتحرك داخل منطقة رمادية اسمها… الواقعية الطاقية؟
28/01/2026