في خطوة وُصفت بكونها فرصة أخيرة لاستعادة التوازن المائي بإقليم الحسيمة، احتضنت المدينة، يوم الثلاثاء 27 يناير 2026، الاجتماع التشاوري الثاني المخصص لبلورة عقد الفرشة المائية لغيس-النكور، وذلك في سياق يتسم بتوالي سنوات الجفاف وتزايد الضغط على الموارد المائية الجوفية التي تشكل المصدر الرئيسي للتزود بالماء بالمنطقة.
اللقاء، الذي نظم بمشاركة وكالة الحوض المائي اللوكوس وبشراكة مع منظمة اليونسكو، جمع مسؤولين محليين وخبراء وأكاديميين، وخصص لتشخيص الوضعية الراهنة للفرشة المائية واستعراض سبل التدبير المستدام لها. وقد أظهرت العروض التقنية المقدمة خلال الاجتماع معطيات مقلقة حول الوضع الهيدرولوجي، حيث تمتد فرشة غيس-النكور على مساحة تناهز 120 كيلومتراً مربعاً، وتعرف استغلالاً سنوياً يقدر بحوالي 10 ملايين متر مكعب، وهو ما يفوق قدرتها الطبيعية على التجدد.
وأبرزت البيانات المسجلة انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه الجوفية بلغ حوالي ثلاثة أمتار خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تزايد الطلب على الماء الصالح للشرب الذي يمثل نحو 70 في المائة من الاستهلاك، إضافة إلى الاستعمالات الفلاحية. كما سجل تدهور نوعي للمياه، تجلى في تسرب مياه البحر إلى الفرشة على طول الشريط الساحلي، فضلاً عن تلوثها بالأسمدة الزراعية والمياه العادمة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد عامل إقليم الحسيمة، فؤاد حاجي، على ضرورة اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد قائمة على البحث العلمي والتدبير التشاركي، مشدداً على أن الهدف يتجاوز تشخيص الأزمة إلى إرساء عقد تدبير ملزم يهدف إلى الاستعادة التدريجية لتوازن هذا الخزان المائي الحيوي، عبر تعزيز آليات المراقبة والحكامة الجيدة.
من جانبه، أوضح بوبكر الهوادي، الخبير الوطني لدى مكتب اليونسكو بالمغرب، أن اختيار حوض غيس-النكور كنموذج يندرج ضمن البرنامج المتوسطي، نظراً لما تعرفه الفرشات الساحلية من إكراهات معقدة. وأشار إلى أن الحلول المقترحة تشمل ترشيد الاستهلاك، وتحسين مردودية شبكات التوزيع، إضافة إلى تعبئة موارد مائية غير تقليدية، مثل تحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، من أجل التخفيف من الضغط على المياه الجوفية.
وعلى المستوى الميداني، كشفت المعطيات المقدمة أن وكالة الحوض المائي اللوكوس أنجزت مجموعة من المشاريع لتعزيز المعرفة العلمية بالفرشة، من بينها إعداد نموذج رقمي ثلاثي الأبعاد بكلفة بلغت 0.44 مليون درهم، مكّن من جرد أزيد من 530 نقطة لجلب المياه. كما تم إطلاق دراسة جيوفيزيائية معمقة، إلى جانب حفر ثقب استكشافي بعمق 750 متراً بجماعة إمزورن، بهدف تحديد الطبقات الجيولوجية الحاملة للمياه وإمكانية تعبئة موارد إضافية.
وخلص الاجتماع إلى جملة من التوصيات، أبرزها تشديد المراقبة وتفعيل القوانين الزجرية لمحاربة حفر الآبار العشوائية، واعتماد تدبير مندمج يربط بين الموارد السطحية والجوفية لضمان استمرارية التزويد بالماء، فضلاً عن إشراك المجتمع المدني وجمعيات مستعملي المياه في اتخاذ القرار وتعزيز الوعي الجماعي بأهمية المحافظة على الموارد المائية.
ويُنظر إلى عقد فرشة غيس-النكور باعتباره رهاناً حاسماً وطوق نجاة لساكنة إقليم الحسيمة، في ظل إجهاد مائي متزايد وتغيرات مناخية متسارعة، ما يجعل من نجاح هذا النموذج التشاركي اختباراً فعلياً لنجاعة السياسة المائية الجديدة بالمغرب.
28/01/2026