منذ انطلاق مراحل متقدمة من التدبير الجماعي بجماعة بني بوعياش بإقليم الحسيمة، أصبح من الصعب تجاهل التحولات السريعة التي طرأت على أوضاع عدد من المنتخبين، وخاصة نواب الرئيس. تحولات لم تعد مجرد ملاحظات عابرة أو تأويلات مغرضة، بل وقائع تفرض طرح سؤال مشروع يردده الشارع البوعياشي بصوت مرتفع: من أين لك هذا؟
هذا السؤال لا ينطلق من نزعة شعبوية، ولا يستهدف أشخاصًا بعينهم، بقدر ما يعكس حاجة ملحة إلى المحاسبة والشفافية، خصوصًا عندما يلج بعض المنتخبين المجالس الجماعية بموارد محدودة، ثم “يُدرّ عليهم الخير” بشكل لافت خلال فترة قصيرة من تحمل المسؤولية. هنا لا يعود الصمت فضيلة، بل يتحول إلى تواطؤ غير معلن، ويغدو التطبيع مع الإثراء المشبوه خطرًا يهدد ما تبقى من الثقة في العمل السياسي.
بني بوعياش، التي ما تزال تعاني من اختلالات بنيوية في مجالات التهيئة والتعمير والخدمات، لا يمكنها تحمل كلفة منتخبين نجحوا في تحسين أوضاعهم الشخصية أكثر مما نجحوا في تحسين شروط عيش المواطنين. والمفارقة الصادمة أن الحصيلة الجماعية تبدو ضعيفة، في مقابل توسع لافت في الامتيازات، وتراكم سريع للثروات، وظهور أنماط عيش لا تنسجم مع الدخل المعلن ولا مع منطق الخدمة العمومية، خاصة لدى بعض نواب رئيس الجماعة.
والأخطر من الإثراء ذاته هو اعتياده داخل المشهد المحلي، حين يصبح النفوذ أداة للاستثمار، وتتحول القرارات الجماعية إلى بوابة للمصالح المتقاطعة، ويُقدَّم “الذكاء” في استغلال الموقع بديلاً عن النزاهة في التدبير. عند هذه اللحظة تفقد السياسة معناها، وتتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات للربح بدل أن تكون أدوات للتنمية، ويُقدَّم نموذج النائب الرابع للرئيس، منير أولاد عبد النبي، مثالًا صارخًا على هذا الإثراء المثير للتساؤلات.
والمطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات جزافًا، ولا تصفية الحسابات عبر الإعلام، بل تفعيل القواعد التي يفترض أن تحكم العمل العام: التصريح الحقيقي بالممتلكات قبل وبعد تحمل المسؤولية، وتفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين الصحافة والمجتمع المدني من أداء دورهما دون تضييق أو ترهيب. فالمسؤول الذي لا يخشى شيئًا، لا يجد حرجًا في الإجابة عن السؤال البسيط: من أين لك هذا؟
بني بوعياش في حاجة إلى منتخبين حافظوا على بوصلتهم الأخلاقية، لا إلى منتخبين تغيرت أوضاعهم بسرعة قياسية. فالتدبير الجماعي ليس سلّمًا للارتقاء الاجتماعي، ولا فرصة لتكديس الثروة، بل أمانة ثقيلة ومسؤولية سياسية وأخلاقية. ومن خان هذه الأمانة، بالفعل أو بالصمت، لا يحق له الاحتماء بشرعية الصندوق ولا بخطاب الإنجازات.
28/01/2026