يبدو أن أبواق ومنابر اليمين الإسباني لا تزال تعيش حالة إنكار سياسي مزمن كلما تعلق الأمر بقضية الصحراء المغربية. فبينما تتجه الوقائع الدبلوماسية الأوروبية بثبات نحو تكريس مبادرة الحكم الذاتي كأرضية واقعية للحل، تصر هذه المنابر على قراءة المشهد بعين أيديولوجية عالقة في سبعينيات القرن الماضي.
وآخر تجليات هذا الارتباك ما روّجت له بعض هذه المنابر، حين حاولت تصوير موقف الاتحاد الأوروبي الداعم لمخطط الحكم الذاتي المغربي على أنه “رهان على وثيقة من ثلاث صفحات لم تُطوَّر”، في محاولة مكشوفة للتقليل من قيمة المبادرة المغربية، وكأن عدد الصفحات هو ما يصنع الحلول السياسية، لا جديتها وواقعيتها وقابليتها للتطبيق.
في المقابل، أكد الاتحاد الأوروبي، في موقف واضح لا لبس فيه، أن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحتها المغرب تشكل أساساً معقولاً للتوصل إلى حل سياسي دائم، منسجم مع قرارات مجلس الأمن، وضامناً للاستقرار الإقليمي. وهو موقف ينسجم مع التحولات الدولية المتسارعة، ومع قناعة متزايدة بأن أطروحات الانفصال لم تعد تقنع أحداً خارج غرف تحرير أبواق ومنابر اليمين الإسباني.
غير أن هذه المنابر، وبدل قراءة التطور في سياقه الجيوسياسي الحقيقي، آثرت العودة إلى لازمة “تقرير المصير” بصيغتها الانتقائية، متناسية أن الأمم المتحدة نفسها باتت تشدد على حل سياسي واقعي وتوافقي، لا على أوهام استفتاء عالق منذ ما يقارب نصف قرن.
المفارقة اللافتة أن المبادرة المغربية، التي توصف في العواصم الدولية بالجدية وذات المصداقية، تتحول فجأة في خطاب اليمين الإسباني الإعلامي إلى “مخطط غير مكتمل”، وكأن الإشكال ليس في المقترح، بل في العجز عن استيعاب تحوّل موازين القوة جنوب المتوسط.
والحال أن المغرب لم يطرح الحكم الذاتي كورقة دعائية أو مناورة ظرفية، بل كمشروع سياسي متكامل، مفتوح للنقاش والتطوير في إطار السيادة الوطنية، وهو ما رحب به الاتحاد الأوروبي صراحة، داعياً إلى الانخراط في المفاوضات دون شروط مسبقة.
وفي مقابل هذا الضجيج، تلتزم الدبلوماسية الإسبانية الرسمية قدراً متزايداً من البراغماتية، مدركة أن العلاقة مع المغرب لم تعد ملفاً هامشياً، بل ركيزة أساسية للاستقرار، والتعاون الاقتصادي، وضبط الهجرة، والأمن الإقليمي.
وخلاصة القول، ما يزعج أبواق ومنابر اليمين الإسباني ليس “ثلاث صفحات”، بل تحول دولي هادئ لكنه عميق: الصحراء المغربية لم تعد موضوع مزايدات أيديولوجية، بل ملفاً يُدار بمنطق الحلول الواقعية. أما من يصر على البقاء خارج هذا التحول، فسيكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أنه يكتب لنفسه فقط… لا لصناعة القرار.
30/01/2026