أثارت أرقام وزارة الاقتصاد والمالية بشأن استقرار عجز الميزانية عند 60,5 مليارات درهم خلال سنة 2025، بما يعادل 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، نقاشاً واسعاً بين المحللين الاقتصاديين حول دلالات هذا المستوى. فبينما ترى بعض القراءات أنه ينسجم مع الأهداف المحددة في قانون المالية ويعكس قدرة الدولة على ضبط التوازنات الكبرى، يعتبر آخرون أن التحسن يظل ظرفياً وغير كافٍ للدلالة على تحول هيكلي عميق. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن تقليص العجز ترافق مع تراجع نسبة المديونية إلى 67,2 في المائة من الناتج الداخلي، مدفوعاً بوتيرة نمو الموارد التي فاقت الزيادة المسجلة في النفقات.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن هذه المؤشرات تعزز ما يسميه “السيادة المالية” للمغرب في تعامله مع مؤسسات دولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، موضحاً أن تحسن العجز ونسب النمو يعكسان أثر إصلاحات ضريبية ومالية ساهمت في توسيع الوعاء الجبائي ورفع المداخيل. كما اعتبر أن الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة خلال السنوات المقبلة من شأنه أن يمنح البلاد هامشاً أكبر للتفاوض بشروط مريحة، ويجنبها اللجوء إلى خيارات قد تثقل كاهل المواطنين أو تمس استقرار الاقتصاد.
في المقابل، يحذر رشيد ساري من قراءة متفائلة أكثر من اللازم، مشيراً إلى أن الفارق المحدود بين نمو المداخيل والنفقات يجعل التوازن المالي عرضة لأي صدمة خارجية، خاصة في ظل تقلب أسعار الطاقة والأسواق العالمية. ويرى أن تراجع المديونية، رغم أهميته، لا يخفي استمرارها في مستويات مرتفعة نسبياً، كما أن طبيعة الموارد الإضافية قد تكون ظرفية وليست نتيجة إصلاحات بنيوية دائمة. وبحسب هذا الطرح، فإن التحدي الحقيقي يكمن في توجيه الفوائض نحو استثمارات منتجة تخلق فرص الشغل وتدعم النمو المستدام، بدل الاكتفاء بتحقيق أرقام ظرفية قد لا تصمد أمام المتغيرات الاقتصادية المقبلة.
31/01/2026