في سياق التصعيد العسكري الحالي بين إسرائيل وإيران، الذي أدى إلى إغلاق مؤقت لحقول الغاز الإسرائيلية الرئيسية مثل ليفياثان (التي تديرها شركة شيفرون) وتوقف إنتاج أجزاء من تمار وغيرها، دخلت أسواق الطاقة في شرق المتوسط مرحلة اضطراب حادة.
أوقفت إسرائيل، التي تعتمد بشكل كبير على إنتاجها المحلي من الغاز لتوليد الكهرباء والصناعة، إمداداتها التصديرية إلى مصر (حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يومياً)، مما أدى إلى عجز فوري دفعها إلى البحث عن بدائل سريعة.
في هذا الإطار، برزت الجزائر كمورد قوي، مستفيدة من قدراتها الإنتاجية الكبيرة وبنيتها التحتية المتقدمة في إسالة وتصدير الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث تمتلك أربع مجمعات رئيسية بقدرة إجمالية تفوق 25 مليون طن سنوياً.
وفقاً لتقارير حديثة، تم التوصل إلى اتفاق طارئ عبر وسطاء أوروبيين لتوريد شحنات جزائرية من الغاز الطبيعي المسال (LNG) إلى إسرائيل، في خطوة تجارية غير مباشرة.
وأظهرت بيانات تتبع الشحن البحري مسارات ناقلات غاز جزائرية قامت بتفريغ حمولاتها في عرض البحر لناقلات أخرى ترفع أعلام دول غرب أوروبا ومن أمريكا اللاتينية، قبل أن تتجه هذه الناقلات لاحقاً نحو موانئ إسرائيلية.
ويعزز هذا النمط من عمليات “النقل من سفينة إلى أخرى” (ship-to-ship transfer) التقارير عن بدء تنفيذ الاتفاق الطارئ، مع اعتماد ترتيبات لوجستية معقدة تهدف إلى إكمال الصفقة ضمن إطار تجاري غير مباشر.
كما أكدت مصادر في قطاع الطاقة أن إعادة توجيه الشحنات ستتم وفق جداول مرنة، مع الحفاظ الكامل على الالتزامات التعاقدية طويلة الأجل مع الشركاء الأوروبيين.
بالتوازي، أكدت شركة سوناطراك استعدادها لإعادة توجيه جزء من شحناتها نحو دول عربية تواجه ضغوطاً مشابهة بسبب اضطراب الإمدادات الإقليمية وارتفاع الأسعار العالمية، وتشمل هذه الدول بحسب المعطيات المتاحة الأردن ومصر ولبنان، التي تعاني من تحديات في تلبية الطلب المحلي على الكهرباء والوقود بدرجات متفاوتة.
في إسرائيل، ساهمت الإمدادات الجزائرية غير المباشرة في تخفيف الضغط الفوري على شبكة الكهرباء، بينما ستمنح الشحنات الموجهة إلى الدول العربية في حال طلبها هامش أمان إضافي لتجنب انقطاعات واسعة خلال فترات الذروة.
ويرى محللون متخصصون أن الجزائر تسعى من خلال هذه التحركات إلى ترسيخ دورها كمحور طاقوي إقليمي مرن وقادر على الاستجابة السريعة، خاصة مع امتلاكها قدرات تسييل وشحن متقدمة مقارنة ببعض المنتجين الآخرين.
ومع ذلك، يثير هذا التعاون التجاري تساؤلات حول التوافق مع الموقف السياسي الجزائري، الذي يرفض أي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل ويؤكد الدفاع عن القضية الفلسطينية.
حيث بلغت قيمة الصادرات الجزائرية إلى إسرائيل في السنتين الأخيرتين أكثر من 30 مليون دولار، تركزت بشكل أساسي على مواد كيميائية ومنتجات بترولية مثل الهيدروجين وغاز البترول المسال (LPG)، الذي يُعد من أبرز منتجات شركة سوناطراك.
وتشير البيانات إلى تصدير كميات تصل إلى حوالي 50 ألف طن من غاز البترول المسال في بعض الفترات، مما يساهم في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي في ظل الظروف الإقليمية الصعبة.
هذا التعامل التجاري، الذي يتم غالباً عبر وسطاء دوليين، يراه المراقبون أنه يتعارض مع الخطاب الرسمي الذي يصور الجزائر كحارس للمقاومة العربية والمبادئ الثابتة، في حين أنها تستمر في تزويد اقتصاد إسرائيل بموارد حيوية عند كل أزمة، لتساهم في استقراره واستمرار نشاطاته في ظل الظروف الإقليمية المتوترة.
هذا التناقض يثير تساؤلات عميقة حول مدى جدية المواقف المعلنة، ويضع الجزائر أمام اختبار مصداقية أمام الرأي العام العربي الذي لم يعد يتوقع منها الالتزام الكامل بالمبادئ التي ترفع شعاراتها.
إذ كيف يمكن التوفيق بين الدفاع اللفظي المتواصل عن القضية الفلسطينية وبين الاستفادة الاقتصادية المباشرة أو غير المباشرة من الطرف الآخر في الصراع؟
كواليس الريف: متابعة
03/03/2026