في تطور قضائي صادم يسلّط الضوء على اختراق شبكات المخدرات لبعض مفاصل الأجهزة الأمنية في إسبانيا، قرر قاضي المحكمة الوطنية، متابعة الرئيس السابق لوحدة مكافحة الجريمة الاقتصادية والمالية بمدريد أوسكار سانشيز خيل، بعدما كشفت التحقيقات أنه كان يخفي نحو عشرين مليون يورو داخل جدران منزله، يُشتبه في أنها عائدات مباشرة من الاتجار الدولي بالمخدرات.
القرار القضائي، الذي صدر هذا الأسبوع، يتهم المسؤول الأمني السابق بارتكاب جرائم خطيرة تشمل الاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال والرشوة وتسريب معلومات سرية، وهي تهم تعكس حجم الاختراق الذي تمكنت شبكات الجريمة المنظمة من تحقيقه داخل مؤسسات يفترض أنها تقود الحرب ضدها.
القاضي نفسه قرر كذلك متابعة ثلاثة أشخاص آخرين بتهمة تبييض الأموال، من بينهم زوجة المتهم – وهي شرطية أيضاً – إضافة إلى شقيقتها، إلى جانب خمس شركات يشتبه في أنها استُخدمت كواجهة لغسل الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات. وتشير معطيات التحقيق إلى أن هذه الشركات كانت جزءاً من شبكة مالية معقدة هدفها إخفاء مصدر الأموال وتمويه مسارها.
وبحسب الوثائق القضائية، فإن الأدلة التي استند إليها التحقيق جاءت نتيجة أشهر طويلة من التنصت على المكالمات الهاتفية والمراقبة الميدانية، فضلاً عن تقارير أمنية وتحليل وثائق وأجهزة إلكترونية جرى حجزها خلال عمليات تفتيش مرتبطة بالقضية.
وتفيد المعطيات التي جمعها المحققون بأن المسؤول الأمني السابق، الموجود رهن الاعتقال الاحتياطي منذ توقيفه سنة 2024، كان يوفر غطاءً لوجستياً وأمنياً لإدخال شحنات المخدرات داخل حاويات بحرية تصل إلى الموانئ الإسبانية، مقابل مبالغ مالية ضخمة يُعتقد أنها كانت تقارب مليون يورو عن كل عملية تهريب يسهّلها لصالح الشبكة الإجرامية.
وجاء سقوطه عقب عملية أمنية كبرى انتهت بحجز حاوية تحتوي على نحو 13 طناً من الكوكايين في ميناء الجزيرة الخضراء جنوب إسبانيا، في واحدة من أكبر عمليات الضبط التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وتنسب التحقيقات إلى هذه الشبكة الإجرامية إدخال ما يقارب 73 طناً من الكوكايين إلى أوروبا عبر الحاويات البحرية، وهي شحنات تُقدَّر قيمتها بأكثر من ملياري يورو في السوق السوداء، ما يكشف حجم التجارة التي كانت تمر عبر شبكة محمية من داخل المؤسسة الأمنية نفسها.
وفي سياق متصل، كان القاضي قد قرر في وقت سابق متابعة عدد من الأشخاص المرتبطين بهذه الشبكة، من بينهم المشتبه في كونه العقل المدبر للعملية إغناسيو توران، إضافة إلى شخص آخر يعرف بلقب “النمر” أليخاندرو سالغادو، الذي صدرت في حقه مذكرة توقيف دولية ويُعتقد أنه يقيم حالياً في دبي، حيث تشير التحقيقات إلى امتلاكه عقارات تتجاوز قيمتها عشرين مليون يورو. كما طالت التحقيقات أيضاً رجل الأعمال فرانسيسكو دي بوربون الذي أوقف في مدينة ماربيا قبل الإفراج عنه بكفالة مالية قدرها خمسون ألف يورو.
وتشير تقديرات الشرطة الإسبانية إلى أن الشبكة كانت تدير ملايين اليوروهات عبر أنظمة مالية معقدة في الخارج، بينها خدمات مصرفية في دول إفريقية مثل ساو تومي وبرينسيب، ما ساعد على تدوير الأموال وإخفاء آثارها.
وفي انتظار جلسة الاستماع المرتقبة التي سيُدلي خلالها المتهم بإفادته أمام القضاء، تبدو هذه القضية مرشحة للتحول إلى واحدة من أكبر فضائح الاختراق التي عرفتها أجهزة مكافحة الجريمة في إسبانيا.
أما المفارقة التي لا تخلو من سخرية سوداء، فهي أن الرجل الذي كان يُفترض أن يطارد تجار المخدرات، انتهى به الأمر – وفق التحقيقات – إلى بناء ثروة من أموالهم… بل وحتى إخفائها داخل جدران منزله، وكأنه كان يدرك أن أقرب مكان للاختباء أحياناً هو داخل البيت الذي يُفترض أنه يحمي القانون.
06/03/2026