kawalisrif@hotmail.com

رأي :    المختار في فقه الصلاة عند السادة المالكية

رأي : المختار في فقه الصلاة عند السادة المالكية

لقد احتدم النقاش في الأحاديث الخاصة والعامة حول قضية السدل والقبض في الصلاة، إثر رسالة أصدرها المجلس العلمي الجهوي للدار البيضاء، فخاض الناس فيها بين مستغرب ومستنكِر وموافق. فعزمت أن أكتب مقالًا محاولًا بسط فقه الصلاة عند المالكية للقارئ الكريم.

ولا بد أن أشير أولًا إلى أنه لا إنكار في الخلاف الحاصل داخل المذهب، لأن الفهوم والاجتهادات تختلف رغم إعمال القواعد اللغوية والشرعية نفسها. وهذا شأن العلماء في كل عصر، وهي سنة الله الجارية في خلقه. يجب قبولها وإرشاد الناس إلى وجودها مع تبيين المختار في المذهب، لأن الحدود الجغرافية قد تجاوزتها وسائل التواصل الكثيرة، والناس في سعة من أمرهم، ولا حرج بإذن الله.

أما الثوابت الكبرى، وهي العقيدة الأشعرية، والفقه المالكي، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين، فلا شك ولا ريب في ضرورة التمسك بها حفاظًا على وحدة الأمة المغربية الدينية.

إن الصلاة تأتي بمعنى الدعاء، وشرعًا هي عبادة ذات إحرام وسلام أو سجود فقط، وسجود التلاوة فيه خلاف حول وجوب الوضوء. وصلاة الجنازة صلاة ذات إحرام وسلام.

ويؤدي المسلم الصلاة بنية خالصة بقلبه دون التلفظ بها؛ وتتحقق النية إذا قصد المسجد أو الصلاة. وتكون النية سابقة لتكبيرة الإحرام أو مصاحبة لها؛ وهي علامة على الدخول في الصلاة.

ويجب على القادر القيام عند النية وعند تكبيرة الإحرام وقراءة فاتحة الكتاب، أما المأموم فإنه ينوي الاقتداء بالإمام، ولا يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويقرأها في الصلاة السرية، كما ذهب إلى ذلك القاضي ابن العربي.

وتعلّم سورة الفاتحة واجب على المستطيع، وإلا فإنه لا يقول شيئًا عوضها، ثم يقرأ سورة أو آيات من القرآن في الركعة السرية، أما في الجهرية فإنه ينصت للإمام إذا اقتدى به، ويقرأها إذا كان منفردًا، وهي سنة مع القيام لها (أي أن يكون واقفًا).

أما المسبوق في صلاة الجماعة فلا شيء عليه إذا أدرك الركوع مع الإمام. ويجهر في موضع الجهر من الصلاة، أي في الركعتين الأولى والثانية من صلاة الصبح والمغرب والعشاء؛ ويقرأ سرًا في موضع السر من الصلاة، أي الركعة الأخيرة من المغرب والركعتين الأخيرتين من العشاء. والجهر والسر هما سنتان كما ورد في كتاب التلقين.

ويقرأ القنوت سرًا في الركعة الثانية من صلاة الصبح بعد قراءة الفاتحة والسورة أو الفاتحة وبعض آيات كتاب ربنا. ولا يخالف المأموم الإمام في القيام إلا إن لم يستطع القيام لعجز أو مرض أو كِبَر سنٍّ.

ويرسل المسلم أو يسدل يديه في الفرض، ويقبض في النفل. أما إذا قبض فله محل من النظر لخلاف نازل حاصل في المذهب المالكي، وللحديث الوارد في الموطأ: “أن نضع أيماننا على شمائلنا”. وقد جاء أن القبض جاء في القيام لجمع الحديث بين تعجيل الفطور وتأخير السحور ووضع الأيمان على الشمائل، والثلاثة من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ولكن المشهور وما استقر عليه العمل هو السدل، ومع هذا فلا حرج على من أخذ بالقبض. ويقول المصلي “آمين” بعد قراءته لفاتحة الكتاب في السر والجهر، ويقولها جهرا بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية. والإمام يسر في قوله “آمين”، وهو المشهور.

ثم يكبر للركوع، والتكبير هنا سنة، والركوع فرض، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الركعة. والمسبوق إذا كبر تكبيرة واحدة عند الشروع في الركوع فالتكبيرة تكبيرة الإحرام إن نواها كذلك، بشرط أن يكون في حالة القيام لا الركوع، وإلا فتكبيرة الإحرام لا تصح.

الركوع أقله أن ينحني واضعًا كفيه على ركبتيه، ويكون ظهره مستويًا، ولا ينكس رأسه أي لا يخفضه في الركوع. ويسبح فيقول: “سبحان ربي العظيم وبحمده” ثلاثًا، ثم يرفع وجوبًا من الركوع ويقول: “سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد” إذا كان منفردًا، فيجمع بين “سمع الله لمن حمده” وهو سنة، و”ربنا ولك الحمد” وهو مستحب. أما الإمام فلا يقول “ربنا ولك الحمد” ويكتفي بسمع الله لمن حمده والدعاء الوارد فيه.

ثم يسجد مكبرًا خاشعًا وخاضعًا لله تعالى، ويقول في سجوده: “سبحان ربي الأعلى وبحمده” ثلاثًا ويدعو الله بما شاء، ثم يرفع من السجود جالسًا ويدعو، ثم يسجد وهكذا في الركعة أو الركعات المتواليات. ويقدم اليدين قبل الركبتين عند السجود، ويقدم الركبتين قبل اليدين عند القيام من السجود، وهكذا إلى أن يصل إلى الجلسة الأخيرة.

والجلسة سنة بالقدر الذي يكفي لقراءة التشهد، وصيغته تبتدئ بالتحيات لله، وقد جاء في كتاب التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب، في كتاب الصلاة، وسنن الصلاة:

“وَفِيهَا اخْتِيَارُ التَّحِيَّاتُ لِلّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ…”

ويقرأ هذا التشهد في التحية الوسطى أو التشهد الأوسط وهو سنة. قال خليل رحمه الله تعالى: “اختار مالك هذا لأنه هو الذي كان عمر يعلمه للناس على المنبر، ولم ينكره عليه من حضره من الصحابة، ومعناه مشهور، ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، كأنه اكتفى بما قدمه إذ محلها الجلوس الثاني”.

ويعقد الأصابع الثلاث من اليد اليمنى في التشهد (الوسطى والخنصر والبنصر)، ويبسط السبابة ملتصقة بالإبهام، وجانب السبابة إلى الأعلى ويحركها. والجلسة التي تكفي للسلام هي فرض، يسلم فيها المصلي تسليمة واحدة لما جرى به العمل، ولأن الدخول في الصلاة لا يكون إلا بتكبيرة واحدة وهي تكبيرة الإحرام، والخروج لا يكون إلا بتسليمة واحدة، وهو قول الإمام مالك في غير المدونة.

وذكر ابن يونس أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم واحدة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم رضي الله عنهم، ولفظها: “السلام عليكم” وهو المشهور في المذهب المالكي، وصيغة التسليمتين موجودة، وهي من الخلاف النازل المقبول عند المسلمين.

ويجب على المصلي أن تعتدل قامته وتطمئن أعضاؤه، فلا يسرع ولا يسرق في صلاته.

هذا هو المختار في الصلاة على المذهب المالكي، ولا يقدح هذا الاختيار فيما ذهب إليه المذاهب الأخرى المعتبرة، لأن الفروع محل خلاف باتفاق.

وسيأتي مزيد بيان حول مسائل وجزئيات أخرى في الصلاة بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

– ذ. محمد المهدي اقرابش  :

أمين المجلس الفرنسي للإرشاد الإسلامي

08/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts