في أجواء رمضانية امتزج فيها الخطاب السياسي بحريرة اللقاءات الحزبية الرمضانية ، احتضنت وجدة عشية يومه الأحد 8 مارس الجاري، لقاءً تنظيمياً لحزب التجمع الوطني للأحرار، بدا في كثير من لحظاته أقرب إلى كرنفال سياسي منه إلى محطة تقييم جدي للحصيلة الحكومية. منصة امتلأت بالخطب، وشعارات الوفاء، وكلمات الإشادة بالقيادة الحزبية، بينما ظل السؤال الحقيقي معلقاً: ماذا تحقق فعلاً على أرض الواقع؟
اللقاء، الذي جمع قيادات وكبار منتخبي وفعاليات الحزب بالجهة، افتُتح بسلسلة من الرسائل السياسية التي ركزت على ما وصفه المتدخلون بـ”المنجزات الكبرى” للحكومة. غير أن حرارة الخطاب بدت أحياناً أقرب إلى لغة التعبئة الحزبية منها إلى لغة المحاسبة السياسية، خصوصاً في جهة ما تزال تعاني من اختلالات تنموية مزمنة.
المفوض باسم الحزب في الجهة ، محمد.أوجار ، لم يتردد في الإعلان بثقة أن “الأحرار هم القوة الأولى في المغرب الشرقي”، مؤكداً دعم القيادات الجهوية للرئيس الجديد للحزب والوقوف خلف مشروعه الإصلاحي. كلمات بدت أشبه بإعلان ولاء سياسي أكثر منها قراءة موضوعية لمشهد سياسي محلي معقد. وفي أجواء لم تخلُ من الطابع الرمضاني، امتزجت بعدها النقاشات بحرارة “الحريرة” وحلاوة “المقروط الوجدي”، وكأن السياسة بدورها أصبحت جزءاً من طقوس السهرة الرمضانية.
غير أن الجهة الشرقية، التي حضرت بقوة في كلمات أوجار وأنيس بيرو ، ظلت في الواقع عنواناً لسنوات طويلة من الانتظارات التنموية المؤجلة. فالمنسق الجهوي للحزب عبّر عن أمله في أن تولي الحكومة ووزراء الحزب اهتماماً أكبر بهذه الجهة، مذكّراً بأن ساكنتها “اختارت الحزب عن قناعة” خلال الانتخابات الماضية. تصريح يفتح باب التساؤل أكثر مما يغلقه: إذا كانت الجهة بالفعل معقلاً انتخابياً للحزب، فلماذا ما تزال تنتظر نصيبها من التنمية؟
وفي سياق الحديث عن التحولات الدولية وحالة “اللايقين” التي يعيشها العالم، أكد أوجار أن المغرب استطاع الحفاظ على استقراره ووحدته الترابية بفضل القيادة الملكية. غير أن هذا الخطاب العام لم يخفِ حقيقة أن واقع التنمية بالجهة ما يزال بعيداً عن سقف الوعود التي رُفعت خلال الحملات الانتخابية، حيث تبدو “الحمامة” – في نظر كثيرين – وكأنها تحلّق عالياً في السماء، بينما تظل مشاكل الأرض دون حلول ملموسة.
أما الرئيس الجديد للحزب، محمد شوكي، فقد قُدّم خلال اللقاء بوصفه “مناضلاً بسيطاً قريباً من المواطنين”، بل إن بعض المتدخلين شددوا على أن هاتفه “يرد دائماً”. غير أن مثل هذه الأوصاف بدت أقرب إلى خطاب ترويجي منها إلى تقييم سياسي حقيقي لأداء قيادة حزبية يفترض أنها تقود المرحلة المقبلة.
وقبل ذلك ، أكد أنيس بيرو أن الجهة الشرقية تمثل أحد المعاقل التاريخية للتجمع الوطني للأحرار، في استحضار واضح لإرث مؤسس الحزب أحمد عصمان. غير أن استدعاء التاريخ الحزبي، مهما كان رمزه، لا يبدو كافياً للإجابة عن أسئلة الحاضر التنموية التي تفرض نفسها بقوة في هذه الجهة الحدودية.
اللقاء الرمضاني اختُتم برسالة دعم قوية لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، حيث أكد المتدخلون مواصلة الدفاع عن برنامجه السياسي، معتبرين أنه قاد الحزب لأول مرة إلى تصدر الانتخابات التشريعية والجماعية. خطاب سعى إلى رسم صورة الزعيم القادر على الجمع بين الحكمة والوفاء، في سردية سياسية تقترب أحياناً من صناعة الأسطورة أكثر مما تقترب من لغة السياسة الواقعية.
وفي تصريحات سابقة، شدد محمد شوكي على أن حزب التجمع الوطني للأحرار “ليس تنظيماً سياسياً عادياً، بل مدرسة لتفريخ الكفاءات التي تفكر في المستقبل”، مؤكداً أن كفاءات الحزب ليست مجرد أسماء على الورق، بل فاعلون يعيشون واقع المغاربة ويدركون تحدياتهم. كما أضاف أن الحزب سيدافع عن حصيلته الحكومية “دون ادعاء أو مبالغة ودون تهرب من المسؤولية”، مؤكداً أن الأحرار لا يقدمون وعوداً زائفة.
غير أن هذا الخطاب يأتي بالتوازي مع إطلاق الحزب دينامية سياسية جديدة تحت عنوان “مسار المستقبل”، وهي مبادرة تهدف – وفق قيادة الحزب – إلى تقييم المرحلة السابقة واستشراف أولويات المرحلة المقبلة. مبادرة تبدو في ظاهرها محاولة لإعادة ترتيب الصفوف، لكنها تطرح أيضاً سؤالاً بسيطاً: هل يتعلق الأمر فعلاً بتقييم صادق للحصيلة، أم بإعادة تسويق الخطاب نفسه بعبارات جديدة؟
وفي الجهة الشرقية تحديداً، حيث تتراكم انتظارات الساكنة في مجالات الشغل والاستثمار والبنية التحتية، يظل الخطاب الحزبي متأرجحاً بين استعراض القوة التنظيمية وتكرار الوعود التنموية. وبين هذا وذاك، تظل الفجوة قائمة بين خطاب المنصات وواقع الميدان.
وهكذا، وبين خطب الولاء ووعود التنمية واستحضار الأمجاد الحزبية، تواصل “الحمامة” التحليق في سماء الشرق. أما على الأرض، فتبقى أعين الساكنة معلقة بسؤال أكثر واقعية وأقل احتفالاً: هل تتحول هذه الوعود إلى مشاريع حقيقية، أم ستظل مجرد خطب رمضانية تتبخر مع آخر زلافة حريرة ؟
08/03/2026