في جلسة جديدة أعادت تسليط الضوء على واحد من أكثر الملفات العقارية إثارة للجدل في الجهة الشرقية، واصلت محكمة الاستئناف بوجدة، اليوم الإثنين، النظر في قضية شركة “أم القرى للعقار” المرتبطة بمشروع سكني بجماعة رأس الماء بإقليم الناظور، وهو الملف الذي تتقاطع فيه اتهامات باختلاس أموال تعاونية سكنية لرجال التعليم مع معطيات ووثائق تثير تساؤلات قانونية حول طبيعة التسيير الحقيقي للشركة والمسؤوليات المرتبطة بالمعاملات المالية والعقارية التي تمت في إطار هذا المشروع.
وقد برز خلال جلسة اليوم معطى لافت يتعلق بطريقة ترافع دفاع المتهم عبد الله الرابحي ، حيث لاحظ متتبعون أن مرافعاته لم تقتصر فقط على الأخير ، بل امتدت في بعض اللحظات لتشمل بشكل مباشر المتهم الرئيسي في الملف ( شريك الرابحي ) بارون العقار صلاح الدين المومني، في مشهد اعتبره الحاضرين دليلاً على وجود تنسيق واضح بين عناصر الشبكة الإجرامية المعنيين بالقضية عندما يتعلق الأمر بمواجهة المساءلة القضائية المرتبطة بهذا المشروع السكني الذي استقطب عدداً من منخرطي الجمعية السكنية لرجال التعليم.
وتعود ملكية شركة “أم القرى”، وفق السجلات القانونية، إلى عبد الله الرابحي، وهو رجل مسن يبلغ من العمر حوالي 85 سنة، سبق أن صدر في حقه حكم ابتدائي يقضي بالسجن لمدة سنة ونصف، وذلك على خلفية نتائج خبرة تقنية أنجزت في إطار التحقيق في ملف أموال الجمعية السكنية لرجال التعليم التي يترأسها مصطفى بوسنينة، الذي تم التلاعب بحسن نيته تحاههم ، ليجد نفسه خلف القضبان منذ حوالي سنة ونصف ، حيث خلصت الخبرة إلى وجود مسؤولية مرتبطة بتدبير الأموال التي تم تحويلها في سياق المشروع العقاري موضوع النزاع.
غير أن مسار التحقيق والوثائق التي ظهرت خلال مراحل البحث القضائي كشفت معطيات تطرح تساؤلات أوسع حول التسيير الفعلي للشركة، إذ تشير وثائق مرتبطة بعمليات بيع شقق ضمن المشروع السكني بجماعة رأس الماء إلى أن عدداً من وعود البيع تحمل توقيع المقاول صلاح الدين المومني أو ختم شركة “Xantra” التي تعود ملكيتها له، رغم أن الشركة المنجزة للمشروع والمسجلة رسمياً في الوثائق هي شركة “Oum Lqoura” المملوكة لعبد الله الرابحي.
وقد تمكنت جريدة “كواليس الريف” من الاطلاع على نسخ من هذه الوثائق، التي تتعلق بوعود بيع شقق لفائدة بعض المنخرطين في الجمعية السكنية، حيث يظهر في أسفل عدد منها توقيع صلاح الدين المومني بشكل مباشر أو ختم شركته الخاصة، وهو ما يثير تساؤلات قانونية حول صفته في التعاقد باسم شركة لا يملكها رسمياً ولا يظهر اسمه ضمن مسيريها وفق الوثائق القانونية المتوفرة.
القانون المغربي المنظم للشركات التجارية يحدد بشكل واضح الإطار القانوني لمثل هذه المعاملات، إذ لا يمكن لأي شخص أن يبرم عقوداً أو يتصرف باسم شركة أو يوقع اتفاقيات بيع مرتبطة بها إلا إذا كان يتمتع بصفة قانونية تخوله ذلك، سواء بصفته مسيراً أو مديراً أو وكيلاً مفوضاً بموجب تفويض رسمي محدد الصلاحيات ومثبت في الوثائق القانونية للشركة. غير أن عبد الله الرابحي أكد خلال محاضر الاستماع لدى الشرطة القضائية وأمام قاضي التحقيق أن المقاول صلاح الدين المومني ليست له أي علاقة بتسيير شركة “أم القرى”، موضحاً أنه المسير الوحيد للشركة رفقة ابنه، وأنه هو من كان يوقع وعود البيع المرتبطة بالمشروع مع رئيس الجمعية السكنية الذي يوجد حالياً رهن الاعتقال على خلفية هذا الملف.
هذا التصريح يتعارض مع ما تظهره الوثائق المتوفرة التي تحمل توقيع المومني أو ختم شركته في عدد من المعاملات المرتبطة ببيع الشقق، وهو ما يعزز فرضية وجود دور فعلي غير معلن في تدبير المشروع أو في إبرام بعض العقود المرتبطة به، وهي النقطة التي تشكل إحدى أبرز زوايا النقاش القانوني داخل هذا الملف.
وتشير المعطيات المتوفرة في القضية إلى أن التحقيقات تناولت أيضاً مسار مبالغ مالية مهمة تعود للجمعية السكنية لرجال التعليم، حيث يتحدث الملف عن تحويل مبلغ يقارب ملياري سنتيم من أموال الجمعية إلى حساب شركة “Oum Lqoura” في إطار المشروع السكني، وهو ما دفع عدداً من المتتبعين والخبراء في القانون التجاري إلى طرح تساؤلات حول طبيعة هذه التحويلات والجهة التي كانت تدبر فعلياً العمليات المالية المرتبطة بالشركة.
وتتركز هذه التساؤلات أساساً حول هوية الأشخاص الذين كانوا يوقعون فعلياً على العمليات البنكية للشركة، وما إذا كانت هذه العمليات تتم بتوقيع عبد الله الرابحي بصفته المالك الرسمي للشركة أو من خلال تدخل أطراف أخرى مرتبطة بالمشروع، إضافة إلى طبيعة التفويضات القانونية المحتملة التي قد تكون صدرت في هذا السياق.
كما أثار الملف أيضاً تساؤلات حول دور بعض الموظفين الإداريين الذين صادقوا على الإمضاءات الواردة في العقود المرتبطة بوعود البيع، حيث يتكرر اسم موظف يدعى محمد الدوهري يعمل بالملحقة الإدارية رقم 18 بمدينة وجدة ضمن الوثائق التي تم الاطلاع عليها، باعتباره أحد الأشخاص الذين قاموا بتصحيح الإمضاءات على بعض هذه العقود.
ومن بين المعطيات التي سجلت خلال جلسة اليوم أيضاً غياب أحد الأطراف المرتبطة بالملف، وهو الحداد ميلود برمضان، الذي لم يحضر الجلسة كما حدث في مناسبات سابقة، في وقت يواصل فيه القضاء تفكيك خيوط هذه القضية التي أصبحت تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول شبكة علاقات معقدة تربط بين أطراف مختلفة في هذا المشروع العقاري.
ويرى عدد من المتابعين للشأن القضائي أن الملف، بالنظر إلى تشعب المعطيات والوثائق المرتبطة به، قد يكشف عن شبكة أوسع من العلاقات والمعاملات العقارية التي وصفها بعضهم بـ“الأخطبوط العقاري”، بالنظر إلى تعدد المتدخلين وتداخل الأدوار بين شركات وأشخاص ومعاملات مالية وعقود بيع.
وفي ظل استمرار الجدل حول هذا الملف، تتزايد الدعوات لفتح تحقيقات مالية وقانونية أكثر عمقاً للتدقيق في حسابات شركة “Oum Lqoura” ومسار الأموال المرتبطة بالمشروع، إضافة إلى مراجعة النظام الأساسي للشركة والتفويضات القانونية المحتملة التي قد تكون صدرت باسمها، وذلك من أجل تحديد المسؤوليات بدقة وكشف حقيقة الأدوار التي لعبها كل طرف في هذه القضية التي قد تتحول، في حال تأكدت مختلف المعطيات المطروحة، إلى واحدة من أبرز قضايا النزاع والفساد العقاري التي شهدتها المنطقة الشرقية خلال السنوات الأخيرة، في انتظار ما ستسفر عنه الجلسات المقبلة من تطورات جديدة قد تسهم في كشف الصورة الكاملة لهذا الملف المعقد.
