kawalisrif@hotmail.com

مصطفى هيشو من الفنيدق:      بين موجات الموت و12 مليار سنتيم لشراء صمت العائلة بعد حادث نهر المخدرات

مصطفى هيشو من الفنيدق: بين موجات الموت و12 مليار سنتيم لشراء صمت العائلة بعد حادث نهر المخدرات

في فجر 14 نوفمبر 2024، على مياه نهر الوادي الكبير بإسبانيا، واجه شاب مغربي وحيدًا مصيره المحتوم. مصطفى هيشو، 22 سنة، لم يكن مجرد قائد زورق سريع، بل كان جزءاً من لعبة دولية ضخمة تمتد من شوارع دبي إلى سواحل أمريكا اللاتينية، مروراً بالموانئ الإسبانية. رحلة واحدة، خطأ واحد، وموجة واحدة كافية لتسقط حياته في بحر من المال والغدر… قصته، المليئة بالصمت والتهديدات والمليارات، تكشف الوجه القاتم لعالم المخدرات، حيث لا صديق، ولا عائلة، ولا ضمير… فقط القانون الوحيد: البقاء أو الموت.

لقي الشاب مصطفى هيشو مصرعه أثناء قيادته زورقاً سريعاً محملاً بالكوكايين في نهر الوادي الكبير. وما إن رحل عن هذا العالم ، حتى دخلت عائلته في لعبة صمتٍ ومال غامض، إذ أمر أحد كبار مهربي المخدرات المقيم في دبي بدفع 12 مليار سنتيم لعائلته مقابل عدم كشف أي أسرار عن الشبكة الإجرامية.

مصطفى، المولود في الفنيدق، كان يتنقل بين سبتة المحتلة ومدن جنوب إسبانيا مثل الجزيرة الخضراء ولا لينيا دي لا كونسبسيون، وكان يعرف جغرافيا البحر وأسرار التهريب مثل ظهر يده. قبل انطلاقه في آخر رحلة له، عبّر لرئيسه في إسبانيا، حسن محمد مسعود، عن شعور غريب: “ادعُ لي… الصعود ليس مثل النزول. نلتقي بعد شهرين.” كانت كلمات غامضة، تكاد تنذر بما سيحدث لاحقاً.

رغم خبرته الطويلة في قيادة القوارب السريعة، لم يكن يتخيل أن هذه الرحلة ستكون الأخيرة. ففي مارس من نفس العام، شارك مع ثلاثة شركاء في إدخال 7.5 أطنان من الكوكايين إلى سواحل جنوب إسبانيا، وتلقوا مكافأة مالية وصلت إلى 500 ألف يورو، تقاسمها الأربعة وفق ترتيب المهام، وكانت الحصة الأكبر عادة لقائد الزورق.

مهمته الأخيرة كانت الأخطر؛ التوجه إلى عرض المحيط الأطلسي للالتقاء بما يسمى “السفينة الأم” القادمة من أمريكا اللاتينية، وكان شقيقه إبراهيم يرافقه. جهّز مصطفى كل شيء: مؤونة، هواتف عبر الأقمار الصناعية، ملابس بحرية احترافية، ووقوداً يكفي الرحلة، بينما كانت التعليمات الأساسية تصل عبر شخص ملقب بـ “العقرب” من المغرب، يحدد مواقع التزود والتفريغ بدقة متناهية.

تحقق أسوأ ما كان يخشاه مصطفى فجر 14 نوفمبر 2024. أثناء محاولته إدخال شحنة عبر نهر الوادي الكبير، طاردته دورية الحرس المدني الإسباني، ووقع الحادث الذي أودى بحياته. أما شقيقه إبراهيم، فقد نجا وهرب نحو الجزيرة الخضراء قبل أن يستقل باخرة إلى سبتة السليبة حيث اختبأ في حي الأمير.

بعد الحادث، كشفت التحقيقات الإسبانية – بالتعاون مع الوكالة الوطنية البريطانية لمكافحة الجريمة – أن محمد عبد السلام “تابي”، أحد كبار مهربي المخدرات المقيمين في دبي، قرر دفع 12 مليار سنتيم لعائلة مصطفى لشراء صمتهم. وكان الهدف منع أي تدخل قد يهدد الشبكة، وضمان استمرار العمليات الإجرامية في أوروبا دون عقبات.

التحقيقات، التي أشرفت عليها القاضية الإسبانية ماريا تاردون ضمن عملية أمنيّة سُميت “الظل الأسود”، كشفت عن شبكة ضخمة تقودها دبي، تعمل كحلقة وصل بين كارتلات أمريكا اللاتينية وشبكات التهريب الأوروبية. هيكل الشبكة كان واضحاً: “تابي” زعيم الشبكة من دبي، حسن محمد مسعود منسق العمليات في إسبانيا، و**“العقرب”** منسق القوارب من المغرب. بين 2024 و2025، تمكنت الشبكة من إدخال نحو 57 طناً من الكوكايين إلى أوروبا، بينما صادرت السلطات حوالي 10.4 أطنان خلال عمليات التفتيش.

ولم تنته التوابع عند هذا الحد؛ فقد اقتحم مسلحون منزل حسن محمد مسعود في ضواحي قادش، سرقوا 40 ألف يورو وسيارة بورش كايين، واحتجزوا صاحب المنزل وشريكته لساعات. وتشير التحريات إلى أن منفذي الهجوم كانوا إخوة مصطفى، الباحثين عن الانتقام أو الضغط للحصول على الأموال الموعودة.

بعد أكثر من عام وأربعة أشهر على وفاة مصطفى، يظل الغموض يلف مصير الـ12 مليار سنتيم. وحتى لو تم دفعها، سيكون من شبه المستحيل تتبع الأموال التي انتقلت عبر وسطاء وشركات وهمية في المغرب. أما الزورق الذي كان يقوده مصطفى، فقد أحرقه رفاقه في الليلة نفسها لإخفاء أي دليل.

هكذا يعمل عالم المخدرات: صمت… مال… ورصاص… وموت يختطف من يجرؤ على البحر.

11/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts