kawalisrif@hotmail.com

الناظور :   “نَفَس الله”… حين يصبح السرد جسراً بين شظايا الذاكرة ومعامل التاريخ

الناظور :   “نَفَس الله”… حين يصبح السرد جسراً بين شظايا الذاكرة ومعامل التاريخ

يرى بوطيب أن الماضي ليس مجرد زمن “ولّى وانقضى”، بل هو مادة حية قابلة للتأويل المستمر، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها العلوم الإنسانية المعاصرة.

المؤرخ الذي فقد ظله.. والبحث عن الذاكرة

تتمحور الرواية حول شخصية “أحمد”، المناضل اليساري الذي قذفته رياح الملاحقة السياسية بعيداً عن وطنه، ليفقد ذاكرته في ظروف غامضة. المفارقة الدرامية التي يطرحها بوطيب تكمن في أن هذا الرجل “فاقد الذاكرة الشخصية” يصبح خبيراً أكاديمياً في “علم التاريخ الراهن” و”العدالة الانتقالية”.

من خلال عمله في أمستردام مع مجموعات من المهاجرين، يجد أحمد نفسه أمام مرآة كاشفة؛ حيث يعاني هؤلاء من توتر دائم بين: ذاكرتهم الجماعية والفردية: المشبعة بالألم والحنين. والتاريخ الرسمي: لبلدانهم الأصلية الذي غالباً ما يقصي سردياتهم.

ثلاثية: الذاكرة، التاريخ، والنسيان

يستحضر بوطيب في مقاله المقولة الفلسفية الشهيرة لفلاديمير جانكيليفيتش: “ما كان، لا يمكن بعد اليوم ألا يكون قد كان”، ليؤكد أن الوقائع التاريخية عصية على المحو، لكنها خاضعة دوماً لـ “فنون التأويل”.

ويطرح الكاتب أسئلة وجودية تؤرق أبطاله والقراء على حد سواء: هل يمكن للإنسان أن يستمر في العيش دون ذاكرة أو تاريخ خاص؟ أين تنتهي الحقيقة التاريخية “العلمية” وتبدأ تمثلات الذاكرة “العاطفية”؟

المثاقفة كطريق للعيش المشترك

يشدد بوطيب على أن مفهوم “المثاقفة” لا يعني مجرد تبادل القشور الثقافية، بل هو حوار عميق بين “ذاكرات” مختلفة تتقاطع في فضاء واحد (كفضاء الهجرة مثلاً).

ويشير المقال إلى أفكار عالم الاجتماع موريس هالبفاكس حول “الأطر الاجتماعية للذاكرة”، ومفهوم “أماكن الذاكرة” للمؤرخ بيير نورا، ليخلص إلى أن المجتمعات لا تحفظ الماضي كما هو، بل تعيد بناءه عبر الطقوس والرموز لتمنحه معنىً سياسياً وثقافياً في الحاضر.

 نحو سردية إنسانية عادلة

لا يقدم عبد السلام بوطيب في “نَفَس الله” مجرد نص أدبي، بل يقترح “خارطة طريق” معرفية. فالرواية بالنسبة له هي الفضاء الذي يسمح بالانتقال من “الذاكرة الجريحة” إلى “التاريخ النقدي”.

إن الفهم المشترك للماضي، عبر الحوار المثاقفاتي المستمر، هو السبيل الوحيد -حسب بوطيب- لتجاوز صراعات الهوية وبناء “عيش مشترك عادل” يتصالح فيه البشر مع تاريخهم مهما كان قاسياً.

12/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts