عرفت جلسات محاكمة سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي، المرتبطة بما بات يُعرف إعلامياً بقضية “إسكوبار الصحراء”، تطورات مثيرة ومفاجآت من قلب الملف، حيث قدّم دفاع الناصري مرافعة طويلة ركّز فيها على تفكيك الروايات وإعادة رسم الصورة الحقيقية للأحداث، معتبراً أن عدداً من الوقائع تم تضخيمها وربطها بأحداث لا علاقة لها بالقضية.
خلال عرضه للتفاصيل، كشف الدفاع أن الشخص الملقب بـ”أحمد أحمد” لم يكن يبحث عن فيلا فاخرة كما تروّج بعض الأطراف، بل كان يسعى فقط إلى شقة بسيطة للزواج والاستقرار. ومع ذلك، وصلت معلومات لاحقاً إلى الناصري تفيد بأن.صهر بعيوي بلقاسم المير يعرض فيلا للبيع، ما دفع أحمد أحمد لمعاينتها برفقته. جرى الاتفاق المبدئي على الصفقة، حيث قام الحاج أحمد بتسليم مبالغ مالية، إلا أن مشاكل مفاجئة حالت دون إتمام الشراء، وهنا تدخل الناصري ليقلب المعادلة من وسيط إلى مشتري، بعد أن كان دوره في البداية يقتصر على الإرشاد إلى العقار.
وأوضح الدفاع أن الناصري اتفق مع بلقاسم المير على اقتناء الفيلا باسم شركة، بالنظر إلى جنسية المالك الأجنبية التي كانت ستطرح مشاكل قانونية لو تمت الصفقة باسمه، مؤكداً أن العلاقة بين الطرفين ليست مجرد تعامل عابر، بل صداقة قديمة مبنية على الثقة، ما يفسر الاكتفاء بالوثائق الأولية التي أصبحت اليوم جزءاً من الملف. كما كشف أن الناصري سلّم مبالغ مالية لبلقاسم، إضافة إلى خمس شيكات كضمان إلى حين تحرير العقد النهائي، مع وجود إشهاد موثق لهذه المعاملة، ولم تكن هناك منازعة حول هذا في أي مرحلة سابقة.
انتقل الدفاع بعد ذلك إلى مسألة التزوير، متسائلاً عن سبب عدم متابعة الموثق الذي حرر العقد، رغم أن الوثيقة الرسمية محل الاتهام تحمل طابعاً رسمياً، وهو ما يطرح تساؤلات حول منطق الاتهام وحدوده. كما ركّز على التناقض الزمني في الروايات، مشيراً إلى ادعاءات المشتكي الملقب بـ”الحاج” بشراء الفيلا بثلاثة مليارات سنتيم من عبد النبي بعيوي قبل تفويتها للناصري، في حين أن الأبحاث والوثائق أثبتت أن العقد المرتبط بالمعاملة تم إبرامه سنة 2019، في مقابل أحداث تعود إلى 2013، ما يشكل تناقضاً صارخاً.
لم يكتف الدفاع بذلك، بل تناول محاولة ربط الصفقة العقارية بقضايا أخرى، بينها شكاية مرتبطة بزوجة البعيوي السابقة، مؤكداً أن الشهود لم يقدموا أي معطيات تدعم هذه الروايات. وأوضح أن المحامية سليمة فرجي نفت وقوع أي اعتداء جسدي على وجه البعيوي بعد اعتقال والدة سامية، ما يعكس تضخيم بعض الأحداث أو الخلط بين الوقائع، فيما ركّز الدفاع على الفارق الزمني الكبير بين عقد أولي في 15 ماي 2013 وعقد ثانٍ في 17 يوليوز 2019، متسائلاً عن سبب الانتظار الطويل إذا كانت النية حقيقية منذ البداية.
كما تناول الدفاع الاتصالات المزعومة بين الناصري وضابط في الشرطة القضائية، مشيراً إلى أن توقيتها غير محدد، وأنها قد تتعلق بنشاط الناصري كرئيس لنادي الوداد الرياضي، ما يستدعي تواصلاً مع الأجهزة الأمنية. وأبرز التناقضات الكبيرة في تصريحات الشهود حول المبالغ المالية، إذ تحدث البعض عن ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف، فيما ذكر آخرون ثلاثة ملايير وخمسمائة مليون سنتيم، ما يعكس تضارباً واضحاً في الروايات.
ولم يغب عن الدفاع الحديث عن الفيلا نفسها، من يقيم فيها ومن استخدمها، حيث تباينت شهادات توفيق زنطاط ونبيل الضيفي وفاطمة العاملة المنزلية، وكلها تشير إلى غياب رواية واضحة ومتناسقة للأحداث. كما أكد الدفاع تضارب تصريحات حول أثاث الفيلا، إذ صرحت لطيفة رأفت بأنها وجدتها فارغة، بينما جاءت شهادات أخرى مختلفة حول الأسعار والمبالغ المدفوعة والتأثيث.
واختتم الدفاع مرافعاته بالتأكيد على أن الملف يقوم على “وقائع مكذوبة”، وأن التناقضات الصارخة بين الشهود والادعاءات حول الأموال والعقود ووثائق التزوير تجعل من الضروري أن تميّز المحكمة بين الحقيقة والادعاءات المختلقة، مطالِباً بالتحقق الدقيق قبل اتخاذ أي قرار بشأن المتهمين.
12/03/2026