عادت قضية فساد عقاري مثيرة بجماعة رأس الماء، إقليم الناظور، خلال فترة المجلس الجماعي السابق ، إلى الواجهة من جديد، بعدما كشفت معطيات حديثة عن تفاصيل صادمة تتعلق بملف عمارة سكنية شُيدت في ظروف يلفها كثير من الغموض قبالة الشاطئ، في قضية تتداخل فيها شبهات التزوير واستغلال النفوذ والتلاعب بالمساطر الإدارية.
القضية التي تعود فصولها إلى حوالي تسع سنوات، تفجرت عندما تقدمت جمعية تعنى بحماية المال العام بشكاية لدى النيابة العامة بالناظور ضد عضو جماعي برأس الماء يدعى رشيد- د، متهمة إياه بوجود اختلالات خطيرة في تدبير ملف عقاري مرتبط ببناء عمارة دون رخصة قانونية، إضافة إلى الاستفادة من وثائق إدارية مزورة مرتبطة بتسوية جبائية.
واعتمدت الشكاية حينها على مؤشرات قوية على وجود تلاعب في الوثائق الإدارية واستغلال محتمل للنفوذ من أجل تمرير مشروع عقاري في منطقة حساسة مطلة على الواجهة البحرية، وهو ما دفع الجمعية إلى اللجوء إلى القضاء باعتبار أن الملف يمس المال العام ويضر بمصالح المواطنين.
غير أن مسار القضية أخذ منعطفاً مثيراً، بعدما حصل المتهم لاحقاً على تنازل رسمي من نفس الجمعية المشتكية التي سحبت شكايتها .
ووفق معطيات متطابقة تداولها متابعون للملف، فإن هذا التنازل جاء بعد مفاوضات غير معلنة انتهت بتقديم مبلغ مالي مهم لأحد المسؤولين داخل الجمعية، في خطوة اعتُبرت محاولة لاحتواء القضية وإضعاف متابعتها القضائية.
هذا التطور كان له أثر مباشر على مجريات الملف، إذ فقدت القضية أحد أهم أطرافها المشتكية، ما خفف من الضغط القانوني المحيط بالمحاكمة، خاصة في ظل غياب الوثائق والدلائل التي كانت الجمعية تعتزم تقديمها لدعم اتهاماتها.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة نقاشاً حساساً حول مصداقية بعض الجمعيات التي يُفترض فيها لعب دور رقابي في محاربة الفساد، إذ يرى متابعون أن تحول بعض الشكايات القضائية إلى أوراق ضغط قابلة للتفاوض خارج المساطر القانونية قد يهدد ثقة المواطنين في العمل المدني وآليات التبليغ عن الفساد.
وفي تطور قضائي لاحق، قررت محكمة النقض إلغاء جزء من الحكم الابتدائي في القضية وإعادة الملف إلى محكمة الاستئناف لإعادة المحاكمة، وهو إجراء قانوني اعتيادي في مسار التقاضي، لكنه أثار جدلاً واسعاً محلياً بعدما تم إسقاط جناية المشاركة في تزوير وثيقة إدارية واستعمالها عن المتهم بدعوى عدم كفاية عناصر الإدانة ، رغم أن الوثيقة ( أنظر أسفله ) ثبت تزويرها .
غير أن المعطيات المتداولة حول الملف تكشف جوانب أكثر تعقيداً من مجرد نزاع قانوني حول وثيقة إدارية. فالمتهم، الذي يوصف في أوساط محلية بأنه “ممرض شبح” مرتبط بقطاع الصحة، تمكن ( وفق مصادر مطلعة ) من ضخ مبالغ مالية كبيرة في مشروع البناء المطل على شاطئ رأس الماء، ومشاريع عقارية أخرى ، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول مصادر تلك الأموال والظروف التي سمحت بمرور المشروع عبر المساطر الإدارية.
وتزداد الشبهات تعقيداً بالنظر إلى المحيط العائلي للمتهم، إذ تشير المعطيات إلى أن شقيقه كان يعمل سابقاً بوكالة القروض “الأمانة”، قبل أن يتورط في فضيحة اختلاسات مالية ضخمة هزت المؤسسة وتسببت في خسائر مهمة طالت مدخرات عدد من المستفيدين، وهو الملف الذي انتهى بمتابعته قضائياً وقضائه عقوبة حبسية.
أما في ما يتعلق بملف البناء، فتشير وثائق القضية إلى أن المتهم استصدر شهادة إعفاء جبائي غير مسجلة في السجلات الرسمية، وهو ما اعتبره متابعون دليلاً على وجود تحايل واضح على المساطر القانونية المنظمة للبناء والتعمير، كما يطرح تساؤلات حول الكيفية التي تمكنت بها هذه الوثيقة من المرور عبر القنوات الإدارية دون أن يتم كشفها في حينها.
وبين تنازل مثير للجدل، وعمارة شُيدت في موقع حساس، ومسار قضائي لم تُحسم كل فصوله بعد، تبقى قضية رأس الماء نموذجاً صارخاً لتعقيد ملفات العقار في المنطقة ، حيث تتقاطع المصالح المالية مع النفوذ المحلي، في شبكة من العلاقات والضغوط تجعل الوصول إلى الحقيقة الكاملة مهمة شاقة.
ويرى مهتمون بملفات الحكامة أن هذه القضية تعكس وجهاً آخر للصراع حول العقار في المنطقة، حيث تتحول الأراضي الساحلية إلى رهانات مالية ضخمة، بينما تظل أسئلة النزاهة والشفافية معلقة في انتظار ما ستكشفه فصول المحاكمة المقبلة.
