يتصاعد الجدل مجددًا حول واقع المنظومة الصحية الوطنية، في ظل تزايد المعطيات التي تكشف عن اختلالات في تدبير الصفقات العمومية وتفاوتات في كلفة التجهيزات والخدمات، ما يضع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أمام ضغط سياسي ومجتمعي متزايد.
المعطيات المثارة داخل البرلمان تسلط الضوء على فوارق لافتة في أسعار بعض التجهيزات الطبية، خصوصًا ما يتعلق بالجراحة الروبوتية، حيث تشير التقديرات إلى كلفة مرتفعة مقارنة بأسعار السوق، وهو ما يطرح تساؤلات حقيقية حول نجاعة تدبير الموارد وإمكانية توسيع الاستفادة من هذه التكنولوجيا لو تم ترشيد النفقات.
ولا تقف الإشكالات عند حدود التجهيزات، بل تمتد إلى كلفة الخدمات المرتبطة بها، إذ ترتفع مصاريف العمليات الجراحية بشكل كبير، ما قد يثقل ميزانية المؤسسات الصحية ويؤثر على استدامة التغطية الصحية، في وقت يفترض فيه أن يسهم الإصلاح في تخفيف العبء عن المرضى لا العكس.
كما تثير بعض دفاتر التحملات شبهات تتعلق بتفصيل المواصفات على مقاس عروض معينة، وهو ما قد يحد من مبدأ المنافسة ويطرح علامات استفهام حول مدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص في الصفقات العمومية.
وفي جانب آخر، تكشف معطيات مرتبطة بمؤسسات صحية جهوية عن اختلالات في تدبير سندات الطلب والصفقات، سواء من حيث تكرار استفادة متعاملين بعينهم أو من حيث كلفة بعض المشتريات والخدمات، إلى جانب تسجيل تأخر أو عدم استكمال أشغال رغم صرف الاعتمادات المالية، ما يعزز الشكوك حول فعالية آليات المراقبة والتتبع.
الأمر لا يتوقف عند التدبير المالي، بل ينعكس بشكل مباشر على جودة الخدمات الصحية، حيث تم تسجيل خصاص في أدوية أساسية وتجهيزات حيوية داخل بعض الأقسام الحساسة، وهو ما يضع الأطر الطبية أمام تحديات يومية لضمان استمرارية العلاج في ظروف ملائمة.
كما يبرز تأخر إنجاز عدد من المراكز الصحية الأولية كإشكال إضافي يفاقم الضغط على المستشفيات، ويحد من تحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات، في وقت يتزايد فيه الطلب على الرعاية الصحية.
هذه المؤشرات مجتمعة تعكس حجم التحديات التي تواجه إصلاح القطاع الصحي، وتطرح بإلحاح سؤال الحكامة: كيف يمكن تحقيق التوازن بين تحديث المنظومة وضمان حسن تدبير المال العام؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الرهان الحقيقي لم يعد فقط إطلاق المشاريع، بل ضمان نجاعتها وشفافيتها، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعيد الثقة في المرفق الصحي ويحقق الأهداف المعلنة للإصلاح.
17/03/2026