من عمائم التقشف في طهران إلى قصور الترف في مايوركا
في واحدة من أكثر الزوايا رفاهية بهدوء خادع في جزيرة مايوركا الإسبانية، تطفو على السطح قصة مثيرة تجمع بين السياسة والمال والبذخ، حيث تُنسب ملكية مجمع سياحي فاخر إلى مجتبى خامنئي، الذي يُقدَّم كآية الله الجديد والقائد الأعلى لإيران، في رواية فجّرتها تحقيقات صحفية دولية، لتضع نظاماً يرفع شعار التقشف في مواجهة صورة مغايرة تماماً، عنوانها منتجعات خمس نجوم، وسيارات رياضية، ونخبة أوروبية تبحث عن الاستجمام في واحدة من أرقى وجهات البحر الأبيض المتوسط.
القصة تبدأ مع زيارة إلى واحة سياحية في مايوركا، حيث تسترخي النخبة الألمانية في فضاء مترف، يرتبط ملكه العقاري – بحسب التحقيقات – بشخصية دينية بارزة في إيران، ويتعلق الأمر بمنتجع فاخر يضم 164 غرفة، مع ملعب غولف وسپا، ويتيح لزواره استئجار سيارات رياضية فاخرة مقابل 100 يورو في الساعة، في مشهد يعكس مستوى عالياً من الترف، خاصة وأن المنتجع يقع في واحدة من أجمل وأرقى الشواطئ المهيأة في الجزيرة، بينما سارعت السلسلة الفندقية إلى نفي أي علاقة لها بملكية هذا العقار.
ومع بزوغ يوم ربيعي مبكر في مايوركا، يرصد المشهد يخت بطول 20 متراً وهو يناور للرسو قبالة الساحل الخلاب لمنطقة “كامب دي مار”، في وقت لا تزال فيه الفنادق المطلة على البحر مغلقة، بمظلات مقلوعة وكراسي استلقاء مكدسة، بينما يشتغل جيش من العمال والبستانيين على إنهاء أعمال الصيانة استعداداً لموسم عيد الفصح، في صورة تعكس التحول الموسمي لهذه الوجهة السياحية التي تستقطب الأثرياء وأصحاب الدخل المرتفع.
في هذه البلدة الواقعة غرب الجزيرة، تحولت بساتين اللوز منذ تسعينيات القرن الماضي إلى مساحات خضراء لملعب غولف فاخر، قبل أن تتحول المنطقة إلى قبلة للعقارات الفاخرة، حيث تُعرض قصور للبيع بأسعار تصل إلى 20 مليون يورو، وقد استقطبت هذه الوجهة شخصيات عالمية من بينها عارضة الأزياء كلوديا شيفر، كما تقيم بها عائلة بطل سباقات الفورمولا واحد مايكل شوماخر، الذي اقتنى منزله من رئيس نادي ريال مدريد فلورنتينو بيريز، في دلالة واضحة على طبيعة النخبة التي ترتاد المكان.
أما ما وصفته التحقيقات بـ”الكشف الكبير”، فيستند إلى ما نشرته صحيفتا فايننشال تايمز وبلومبرغ، حيث أشارتا إلى أن مجتبى خامنئي يُشتبه في كونه المالك الحقيقي، عبر وسطاء وشركات، لأحد أكبر المجمعات الفندقية في المنطقة، ويتعلق الأمر بمنتجع خمس نجوم يحمل اسم Steigenberger Hotel & Resort Camp de Mar، والذي تديره سلسلة ألمانية بعقد إيجار طويل الأمد، ما يعني – قانونياً – أنها غير معنية بملكيته، في حين قد يتجاوز سعر الليلة الواحدة 400 يورو خلال موسم الذروة، ويتميز الفندق بتصميم معماري يمزج بين الطابع المتوسطي وعناصر مستوحاة من الفن المدجن.
داخل هذا الفضاء، لا يقتصر الأمر على الإقامة الفاخرة، بل يمتد إلى تفاصيل ترفيهية دقيقة، حيث يحرس مدخل الفندق تماثيل أسود، وتتوسط ساحته مسلة تحمل أسماء شخصيات تاريخية مثل بوذا، وروزفلت، ولو كوربوزييه، وروبين داريو، وغاودي، كما تُنظم داخله حصص يوغا وتأمل، مع إمكانية استئجار سيارات فاخرة مثل بورش 911 توربو أو سيارات أخرى من علامات BMW وMercedes AMG، في مشهد يعكس ثقافة استهلاك مترفة بعيدة كل البعد عن أي نزعة تقشفية.
التحقيقات لم تتوقف عند حدود هذا الفندق، بل كشفت عن شبكة استثمارات ضخمة يقودها المصرفي علي أنصاري، المقرب من النظام الإيراني، والذي أنشأ – وفق المعطيات – إمبراطورية عقارية في أوروبا تصل قيمتها إلى 400 مليون يورو، تشمل منتجع الغولف في مايوركا، وفندق تزلج في كيتزبوهيل بالنمسا، وفندقين في فرانكفورت الألمانية، وثلاثة عشر قصراً في لندن، إضافة إلى مركز تجاري في ألمانيا بقيمة 68 مليون يورو، وقد تم إخفاء هذه الأصول عبر شركات وهمية في لوكسمبورغ وألمانيا وملاذات ضريبية، فيما فرضت بريطانيا عليه عقوبات سنة 2025، متهمة إياه بتمويل أنشطة مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني، وهي الاتهامات التي نفاها محاموه بشكل قاطع.
في المقابل، أكدت شركة RIMC Hotels & Resorts، المشغلة للفندق، أنها لا تربطها أي علاقة بالأسماء المذكورة، وأنها مجرد مستأجر منذ سنة 2015، موضحة أن المالك الرسمي هو شركة إسبانية تُدعى Royal Hotel Camp de Mar SA، وأن علي أنصاري ليس شريكاً فيها، غير أنها اشتكت في الوقت ذاته من تضرر سمعتها، خصوصاً بعد قيام منصات حجز مثل Booking بإغلاق نظام الحجز لديها بشكل مستقل، ما يعكس حجم التأثير الذي خلفته هذه التسريبات.
ورغم كل هذه الشبهات، يظل اسم خامنئي بعيداً عن تفاصيل الحياة اليومية في المنطقة، حيث يعيش السكان بشكل عادي، غير معنيين بما يجري خلف الكواليس، ففي أحد المطاعم المحلية تُعرض صورة للممثل بيرس بروسنان، الذي أدى دور العميل جيمس بوند، أثناء تناوله لحم الخنزير الإسباني خلال تصوير أحد أفلامه، في مشهد يلخص طبيعة المكان الذي يعيش على إيقاع الترف والسياحة لا على إيقاع الشعارات.
وفي خلاصة المشهد، بعيداً عن السياسة وصخبها، تستمر الحياة في هذا الركن الفاخر من المتوسط على إيقاع الشواطئ الخلابة، وملاعب الغولف، والموسيقى الإلكترونية، والسيارات الفارهة، وهي صورة تبدو بعيدة كل البعد عن نمط الحياة “المتشدد” المنسوب لرجال الدين في إيران، لتبقى القصة، في عمقها، مرآة تعكس تناقضاً صارخاً بين خطاب يُرفع للاستهلاك، وواقع يُدار في صمت خلف واجهات من الترف العابر للحدود.
18/03/2026