يستعد نائب رئيس مجلس جماعة رأس الماء بإقليم الناظور للمثول، الأسبوع المقبل، أمام محكمة الاستئناف بالناظور، في تطور قضائي جديد أعاد إلى الواجهة واحداً من أكثر ملفات العقار إثارة للجدل بالجماعة ، وذلك بعد قرار محكمة النقض القاضي بإلغاء جزء من الحكم السابق وإعادة المحاكمة في قضية تتعلق باستصدار شواهد إدارية غير قانونية تعود وقائعها إلى سنة 2017.
وتفجرت القضية في سياق اتهامات متبادلة بين أطراف كانت على صلة بتدبير الشأن المحلي خلال فترة المجلس الجماعي الأسبق برئاسة لهمام، حيث وجّه نائب رئيس الجماعة آنذاك، المعروف باسم “بوستة” والذي فر إلى خارج أرض الوطن، اتهامات مباشرة لتائب الرئيس الحالي ( رشيد – د ) المعني بالمحاكمة، مدعياً أنه تسلم منه مبلغاً مالياً قدره 20 مليون سنتيم مقابل تسهيل الحصول على وثائق جماعية مزورة لتسوية وضعية عمارة غير قانونية بنيت على الشاطئ .
غير أن المعطيات المتوفرة تفيد بأن نائب الرئيس الحالي المعني بهذه الاتهامات لم يكن يشغل أي صفة جماعية خلال الفترة التي تعود إليها الوقائع، وهو ما أضفى على الملف طابعاً أكثر تعقيداً، خاصة مع تضارب الروايات وتداخل المصالح.
القضية، التي تعود إلى نحو تسع سنوات، انطلقت أساساً بشكاية تقدمت بها جمعية تُعنى بحماية المال العام، اتهمت فيها عضواً جماعياً بوجود اختلالات خطيرة في ملف بناء عمارة سكنية شُيدت دون ترخيص قانوني في موقع حساس مقابل الواجهة البحرية، مع الاستفادة من وثائق إدارية مشكوك في صحتها، من بينها شهادة إعفاء جبائي غير مسجلة في السجلات الرسمية.
واعتمدت الشكاية على مؤشرات اعتُبرت حينها قوية بشأن احتمال وجود تلاعب في المساطر الإدارية واستغلال للنفوذ لتمرير مشروع عقاري في منطقة استراتيجية، ما دفع إلى فتح تحقيق قضائي بالنظر إلى ما قد يشكله الملف من مساس بالمال العام.
لكن مسار القضية ( وفق بوستة ) عرف منعطفاً لافتاً بعد إعلان الجمعية المشتكية تنازلها عن الشكاية، في خطوة أثارت الكثير من علامات الاستفهام. ووفق معطيات متداولة، فإن هذا التراجع جاء عقب مفاوضات تضمنت تقديم مقابل مالي كبير ، وهو ما اعتبره متابعون محاولة لاحتواء الملف وتقليص زخمه القضائي.
هذا التنازل كان له أثر مباشر على سير القضية، حيث فقدت أحد أبرز أطرافها، ما انعكس على مستوى الإثبات والمتابعة، خصوصاً في ظل غياب الوثائق التي كانت الجمعية تعتزم تقديمها لتعزيز اتهاماتها.
وفي تطور لاحق، قررت محكمة النقض إسقاط تهمة المشاركة في تزوير وثيقة إدارية واستعمالها في حق المتهم، بعلة عدم كفاية الأدلة، رغم تأكيد معطيات الملف أن الوثيقة موضوع النزاع ثبتت عدم قانونيتها، وهو ما زاد من حدة الجدل المحلي حول مآل القضية.
وتتجاوز أبعاد هذا الملف مجرد نزاع قانوني حول وثائق إدارية، إذ تشير مصادر مطلعة إلى أن المشروع العقاري موضوع التحقيق، والمطل على شاطئ رأس الماء، عرف ضخ استثمارات مالية مهمة، ما يطرح تساؤلات حول مصادر التمويل والظروف التي سمحت بمرور المشروع عبر قنوات إدارية يفترض أنها تخضع لمراقبة صارمة.
كما تحضر في خلفية القضية معطيات مرتبطة بالمحيط العائلي للمتهم، من بينها تورط شقيقه المسمى محمد – د ، وهو أحد كبار “القمارة” في ملف اختلاسات مالية سابقة داخل مؤسسة للقروض، وهو ما يعزز الشكوك حول طبيعة تمويل المشاريع العقارية للعائلة .
وبين تنازل مثير للجدل، واتهامات متبادلة، ومسار قضائي لم تُحسم كل فصوله بعد، تظل قضية “عمارة الشاطئ” برأس الماء نموذجاً معبّراً عن تعقيدات ملفات العقار بالمنطقة، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ المحلي، في سياق يطرح تحديات حقيقية أمام مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويرى مهتمون بقضايا الحكامة أن جلسات المحاكمة المقبلة قد تشكل محطة حاسمة لكشف المزيد من خبايا هذا الملف، وتحديد المسؤوليات بشكل أوضح، في قضية ما تزال تثير الكثير من الجدل وتستقطب اهتمام الرأي العام المحلي.
18/03/2026