في واحدة من القضايا التي تعيد إلى الواجهة اختلالات الثقة داخل المؤسسات البنكية، أصدرت غرفة الجنايات الابتدائية بفاس، مساء أمس، أحكاماً ثقيلة في حق موظفتين بوكالتين تابعتين للبنك الشعبي بجهة فاس مكناس، بعد تورطهما في اختلاس مبالغ مالية ضخمة من خزينة البنك وأرصدة الزبناء، قبل أن تختفيا عن الأنظار في ظروف غامضة.
وقضت المحكمة، غيابياً، بإدانة كل واحدة من المتهمتين بخمس سنوات سجناً نافذاً، ليصل مجموع العقوبة إلى عشر سنوات، إلى جانب غرامات مالية متفاوتة، مع إلزامهما بإرجاع المبالغ المختلسة التي بلغت في مجموعها 244 مليون سنتيم، توزعت بين 110 مليون سنتيم لإحداهما و130 مليون سنتيم للثانية، فضلاً عن تعويضات مدنية لفائدة المؤسسة البنكية في شخص ممثلها القانوني.
تفجرت هذه القضية بعد زيارة مفاجئة قامت بها لجنة تفتيش مركزية للوكالتين اللتين كانت المتهمتان تشرفان على تسييرهما، حيث كشفت عملية التدقيق عن اختلالات مالية خطيرة قادت إلى اكتشاف عمليات اختلاس ممنهجة. وفور افتضاح الأمر، اختفت الموظفتان عن الأنظار، وتخلفتا عن حضور جميع جلسات التحقيق والمحاكمة التي امتدت لأكثر من شهر ونصف، ما دفع قاضي التحقيق إلى إصدار أمر بإلقاء القبض عليهما.
ورغم إلغاء الغرفة الجنائية لقرار إلقاء القبض، فقد مضت في تفعيل المسطرة الغيابية، وأصدرت أحكامها في انتظار توقيف المعنيتين بالأمر أو تسليمهما نفسيهما للسلطات المختصة، حيث ستتم إعادة محاكمتهما حضورياً وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل.
القضية لم تكن معزولة، إذ تأتي في سياق سلسلة ملفات مشابهة هزت القطاع البنكي، بعدما سبق للغرفة نفسها أن أدانت موظفة بنك أخرى بمنطقة الناظور بعشر سنوات سجناً نافذاً، على خلفية اختلاس ملايير السنتيمات من وكالة كانت تديرها، قبل أن تسلك المسار ذاته وتختفي عن الأنظار، لتتم محاكمتها هي الأخرى غيابياً.
وتطرح هذه القضايا المتكررة تساؤلات حارقة حول نجاعة آليات المراقبة الداخلية بالمؤسسات البنكية، وحول مدى قدرة هذه الأخيرة على حماية أموال زبنائها من اختلاسات توصف بـ”الاحترافية”، في وقت تتعالى فيه مطالب بتشديد الرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
19/03/2026