kawalisrif@hotmail.com

الصحراء المغربية :      بين واقع التنمية ووهم “الخيام”… حين تسقط مقارنة بورتو ريكو وتنكشف فقاعات البوليساريو

الصحراء المغربية : بين واقع التنمية ووهم “الخيام”… حين تسقط مقارنة بورتو ريكو وتنكشف فقاعات البوليساريو

في مسرح العبث السياسي، حيث تختلط الأصوات بالصدى، لا تزال “دولة الكابرانات” تُتقن رقصة واحدة لا تتغير: رقصة الديك المذبوح. حركة هستيرية، صياح مرتفع، وجناحان يرفرفان في الفراغ… دون اتجاه أو أثر، ودون قدرة على إدراك أن العرض انتهى وأن الجمهور غادر. في هذا المشهد تحديدًا، تُفهم كل محاولات القفز على الواقع، ومنها استدعاء نماذج بعيدة عن السياق، كمن يتمسك بقشة في بحر من الحقائق.

منذ مطلع السنة، لم يعد ملف الصحراء يراوح مكانه كما كان يحدث لعقود. ثلاث جولات تفاوضية مغلقة، برعاية أمريكية ثقيلة، أعادت جمع الأطراف الأربعة: المغرب، الجزائر، موريتانيا وجبهة البوليساريو. لكن هذه المرة، لم يكن اللقاء بروتوكوليًا ولا مناسبة لإعادة تدوير الخطاب نفسه، بل لحظة مواجهة مع السؤال الحقيقي: كم من الحكم الذاتي يمكن أن يُمنح؟ وليس: هل هناك استفتاء أم لا؟

هنا يكمن التحول الجوهري. فالمقترح المغربي لسنة 2007 لم يعد مجرد “مبادرة جدية وذات مصداقية”، بل أصبح، بنص القرار الأممي، “أساس النقاش”. فرق شاسع بين فكرة تُعرض، وإطار يُفرض كمرجعية للحل.

في المقابل، وجدت جبهة البوليساريو نفسها في مواجهة جدار الواقع، فلجأت إلى القفز نحو “حل هجين” تحت مسمى “دولة حرة مرتبطة”، مستلهمة نماذج بعيدة جغرافيًا وتاريخيًا عن المنطقة. طرح يبدو أقرب إلى تمرين نظري منه إلى مشروع قابل للتطبيق، أو محاولة متأخرة لحفظ ماء الوجه في زمن لم يعد يقبل التجارب المرتجلة ولا الحلول المستوردة.

في هذا السياق، تتهاوى المقارنة مع نموذج “بورتو ريكو’ كما تتهاوى خيام مهترئة تحت شمس حارقة. فهذا الإقليم يعيش وضعًا قانونيًا خاصًا داخل الولايات المتحدة، لكنه يظل مثقلاً بتبعية اقتصادية وسياسية واضحة: اقتصاد هش، ديون متراكمة، وهجرة مستمرة نحو البر الأمريكي، مع تمثيل سياسي ناقص في مراكز القرار.

أما في الأقاليم الجنوبية للمملكة، فالمشهد مختلف جذريًا: سيادة قائمة، مؤسسات دستورية تعمل، ومشروع حكم ذاتي موسع يتقدم بثبات داخل إطار الدولة. أوراش تنموية كبرى تُنجز على الأرض: موانئ استراتيجية، استثمارات ضخمة في الطاقات المتجددة، وبنية تحتية تربط الجنوب بعمقه الإفريقي. هنا لا تُكتب السياسات على الورق فقط، بل تتحول إلى مشاريع وفرص شغل. باختصار: واقع يُبنى، لا وهم يُسوّق.

سياسيًا، الفارق صارخ. في بورتو ريكو، يظل السكان خارج دائرة القرار الكامل، بلا حق التصويت في الانتخابات الرئاسية. أما في الصحراء المغربية، فالمواطن فاعل سياسي كامل، يشارك في الانتخابات ويمارس حقوقه داخل مؤسسات قائمة. الفرق هنا ليس في التفاصيل، بل في جوهر السيادة والاندماج.

اقتصاديًا واجتماعيًا، الصورة أوضح من أن تُجادل: هناك نموذج يئن تحت الديون ويُصدّر أبناءه عبر الهجرة، وهنا نموذج يراهن على الاستثمار ويستقطب الاستقرار. هناك اعتماد، وهنا بناء. هناك انتظار للمساعدات، وهنا صناعة للفرص.

المفارقة الأكثر سخرية لا تكمن فقط في المقارنة، بل في الجهة التي تروّج لها. جبهة البوليساريو، التي لا تزال أسيرة خطاب متآكل، تحاول تسويق نموذج “دولة” وهي لم تتجاوز بعد واقع الخيام. تطرح مشاريع على الورق، بينما بنيتها الهشة لا تصمد أمام أبسط معايير الدولة الحديثة. كأن السياسة تحولت إلى مسرح للخيال، تُبنى فيه الكيانات بالكلمات وتُرسم الحدود بالأوهام.

ثم يأتي القرار الأممي الأخير ليحسم الكثير من الغموض: الحكم الذاتي في صلب الحل، والاستفتاء في الهامش. رسالة واضحة، لكنها تبدو ثقيلة على من اعتادوا العيش خارج الزمن.

وفي نهاية هذا المشهد، تعود الصورة إلى أصلها: جبهة تنفخ في فقاعات خيام أحرقتها الشمس، فتنتفخ للحظة… ثم تنفجر عند أول تماس مع الواقع. ووراءها، “دولة الكابرانات” تواصل رقصة الديك المذبوح: ضجيج بلا صدى، وحركات بلا معنى، واستعراض متأخر على مسرح أُطفئت أنواره منذ زمن.

وفي لقطة أقرب إلى نهاية فيلم سريالي رديء الإخراج، يواصل “الكابرانات” إطلاق آخر طلقاتهم… لا على خصومهم، بل على أقدامهم. رصاص في الهواء، ضجيج بلا هدف، واستعراض متأخر فوق مسرح أُغلق منذ زمن. أما “فقاعات الخيام”، فتنتفخ مع كل خطاب، ثم تنفجر عند أول احتكاك بالحقيقة، لتترك خلفها فراغًا أكبر من الوهم نفسه.

هكذا تُختتم الحكاية: واقع يتقدم بثبات، ووهم يطلق النار على ظله… قبل أن يكتشف، متأخرًا جدًا، أن المعركة انتهت، وأنه كان آخر من فهم.

22/03/2026

مقالات خاصة

Related Posts