في خطوة وُصفت بالجريئة وغير المسبوقة، أصدر عامل إقليم الناظور ، قبل حوالي سنة ونصف ، قرارًا واضحًا وصريحًا يقضي بتحرير الملك العمومي من قبضة الاحتلال العشوائي الذي عمّر لعقود، حيث تحولت الأرصفة والشوارع إلى “ضيعات خاصة” في يد أرباب المقاهي والمطاعم، في مشهد صادم يضرب في العمق هيبة القانون، ويكرّس منطق الفوضى بدل دولة المؤسسات.
القرار، الذي لقي ترحيبًا واسعًا من الساكنة، لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل اعتُبر اختبارًا حقيقيًا لقدرة السلطات على فرض النظام وإنهاء سنوات من “التطبيع مع الفوضى” . فقد شكّل بارقة أمل لإعادة الاعتبار للفضاء العام، وضمان حق المواطنين في التنقل الآمن، ووضع حد لحالة “التسيّب” التي حولت الأرصفة إلى امتداد غير قانوني للمقاهي، على حساب الراجلين وذوي الاحتياجات الخاصة، في خرق سافر لكل القوانين الجاري بها العمل.
غير أن الميدان سرعان ما كشف الوجه الآخر للحقيقة، حيث برزت اختلالات خطيرة لا يمكن التغاضي عنها. فقد سُجلت حالات مقلقة مرتبطة بطهي المأكولات فوق الأرصفة، وتركيب مشاوٍ على قارعة الطريق، في تحدٍّ صارخ لكل شروط السلامة. ويُعد نموذج “Casa Pesca” مثالًا صارخًا على هذا الانفلات، بعد تسجيل حوادث متكررة كادت تتحول إلى كوارث حقيقية، مهدِّدة سلامة السكان، في ظل صمت مريب وتدخلات تُطرح حولها أكثر من علامة استفهام بشأن صرامة المراقبة ونزاهة التقارير. وسنعود إلى هذه الحالة بالتفصيل في حلقات لاحقة.
لكن هذه التجاوزات لم تتوقف، بل عادت بقوة أكبر بعد أيام فقط من انطلاق حملة التحرير، وكأن القرار لم يكن سوى “زوبعة مؤقتة”. وسط مدينة الناظور، خاصة بمحيط سوق المركب، عادت الأرصفة لتُحتل من جديد، وتحوّلت إلى فضاءات مغلقة تُدار بمنطق “هذا ديالي” و”الأمر الواقع”، دون أدنى احترام للقانون. ويتكرر المشهد نفسه في أحياء الناظور الجديد، حيث يتمدد الاستغلال العشوائي بشكل مستفز، في غياب أي ردع حقيقي.
الأدهى من كل ذلك أن هذا التمادي يحدث أمام أعين السلطات المحلية، في صمت لا يمكن تفسيره إلا بكونه تواطؤًا أو تقاعسًا. فأين الباشا؟ وأين القياد؟ ومن يجرؤ على تعطيل قرار عاملي واضح لا يحتمل التأويل؟ إن المسؤولية هنا مباشرة وثقيلة، ولا مجال للاختباء وراء أعذار إدارية أو لوجستيكية، لأن الأمر ببساطة يتعلق بتطبيق القانون… أو تركه يُهان يوميًا في الشارع العام.
إن ما يجري اليوم بالناظور ليس مجرد فوضى عابرة، بل مؤشر خطير على أزمة في تنزيل القرارات، وغياب للصرامة في ربط المسؤولية بالمحاسبة. فإما أن هناك إرادة حقيقية للإصلاح تُجهض في الكواليس، أو أن بعض الجهات لا تزال تعتبر الملك العمومي “غنيمة” قابلة للتقاسم، لا حقًا جماعيًا يجب حمايته.
إذا كان عامل الإقليم قد أطلق صافرة البداية، فإن المباراة الحقيقية تُلعب اليوم في الميدان. فإما أن تُفرض هيبة الدولة ويُسترجع الملك العمومي بقوة القانون، دون انتقائية أو تمييز، أو نُقرّ بمرارة أن الناظور ما تزال رهينة لوبيات تتحكم في الشارع أكثر مما تتحكم فيه السلطات. حينها فقط، لن يكون السؤال: من يحتل الملك العمومي؟ بل: من سمح بتحويل القانون إلى مجرد حبر على ورق… يُقرأ في البلاغات ويُدفن في الواقع.
24/03/2026