في خضم تحضيرات تتسارع إيقاعها وتشتد سخونتها في إقليم الناظور قبيل الاستحقاقات التشريعية المرتقبة، يبدو أن معركة التزكية داخل حزب الاستقلال قد خرجت من إطارها التنظيمي التقليدي، لتتحول إلى اختبار حقيقي لتوازنات دقيقة تتداخل فيها الحسابات السياسية مع النفوذ المحلي والمال، وتُدار تفاصيلها في كواليس لا تقل إثارة عن نتائجها المنتظرة.
وفي هذا السياق، تتداول أوساط سياسية من حزب الاستقلال، حديثًا متزايدًا عن ضغوط ومشاورات مكثفة تحيط بملف تزكية مرشح الحزب، في مشهد يضع اسم الوزير والقيادي الوجدي عمر حجيرة في قلب النقاش، باعتباره أحد الفاعلين الذين يُنسب إليهم حضور مؤثر في توجيه بعض اختيارات الحزب على مستوى جهة الشرق. غير أن هذا الحضور، كما يرى المراقبون، لم يأتِ من حرص على مصلحة الحزب أو التوازنات السياسية، بل يبدو أقرب إلى استسلام كامل لنفوذ المال والمصالح الخاصة، حيث يفضل بعض الإستقلاليين وصفه بأنه “رجل مصالح” أكثر منه قياديًا مسؤولًا، ما يضع مصداقيته ومصداقية حزبه على المحك.
تتداول الأوساط الحزبية معطيات تشير إلى أن علاقات خاصة تربط بين عمر حجيرة ورئيس جماعة رأس الماء السابق، أحمد الجيلالي الصبحي، عُرفت بتقارب في المصالح وتبادل للزيارات و“هدايا” وأموال يضخها الأخير في جيوب الأول، وهو ما قد يُؤثر على مناخ النقاش السياسي ويزيد من حدة الصراعات الداخلية، بدل أن يكون العمل مؤطرًا بمبادئ واضحة ومعايير شفافة.
وبينما تُروَّج روايات هنا وهناك حول طبيعة هذا التأثير وحدوده، يكتفي المقربون من دوائر القرار الحزبي بالإشارة إلى أن ما يجري ليس سوى جزء من دينامية داخلية معقدة، تُحسم فيها الملفات الحساسة بميزان دقيق، حيث لا صوت يعلو فوق منطق التوازنات، ولو بدا للبعض أن بعض الأسماء تحظى بامتياز “قرب المسافة” من مركز القرار.
في المقابل، يظل اسم أحمد الجيلالي الصبحي المدعوم من حجيرة ، حاضرًا بقوة ضمن لائحة المرشحين المحتملين، في سياق نقاش داخلي لا يخلو من حساسية، خاصة وأنه سبق أن تولى تدبير جماعة رأس الماء، ، وتورط في فضائح تزوير وثائق وصفقات عقارية غامضة، وهو متابع أمام محكمة جرائم الأموال بفاس ، ما يجعله موضوع تقييم متباين بين عمر حجيرة الذي يعتبره خيارًا مفضلا ، ومن يرى أن المرحلة تستدعي إعادة ترتيب الأولويات وفق معايير مختلفة، أقرب إلى منطق “الجاهزية الانتخابية” بعيدًا عن تدخلات المال والامتيازات الخاصة.
ولا يبتعد المشهد كثيرًا عن النقاش حول النائب البرلماني الحالي محمد الطيبي، الذي لا يزال يحتفظ بدعمه داخل القواعد المحلية، خصوصًا في مناطق مثل زايو ونواحيها، حيث تستند حظوظه إلى رصيد انتخابي وتجربة ميدانية راكمها عبر عقود، في مقابل أصوات أخرى داخل الحزب، وفي مقدمتها المفتش الجهوي للحزب عمر حجيرة، الذي يرى أن دورة الزمن السياسي تفرض تجديد الوجوه، ولكنه في المقابل يُتهم بمحاولات التلاعب بالمعايير لمصلحة صفقات مالية شخصية، ما يضع الحزب في مأزق أخلاقي وسياسي كبير.
وفي الأثناء، لا تغيب أسماء أخرى عن دائرة الترقب، من بينها النائب البرلماني الحالي عن حزب الأصالة والمعاصرة رفيق مجعيط، وسعيد التومي، رئيس جماعة أولاد ستوت، اللذان يواصلان مساعيهما للحصول على التزكية من حزب الاستقلال، في ظل منافسة مشحونة لا تخلو من صراعات النفوذ والمال.
وبين كل هذه الخيوط المتشابكة، تبدو صورة الحسم داخل حزب الاستقلال بالناظور أقرب إلى عملية “ترجيح كفة” دقيقة، تُدار بهدوء في الظاهر، بينما تتصاعد حرارتها في العمق، حيث كل تصريح محسوب، وكل تسريب مدروس، وكل إشارة قد تعني أكثر مما تُعلن، وكل خطوة من حجيرة تحمل بصمة ضعف أمام النفوذ المالي، وإخلالًا بالشفافية التي كان من المفترض أن يحميها كقيادي.
04/04/2026