في مقابلة تلفزية حصرية مع قناة مغربية ، أكد محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 شكلت تحولا استراتيجيا بارزا في مسار العمل القاري بقيادة الملك محمد السادس، مشددا على أن المملكة أضحت اليوم “دولة ارتكاز” في دينامية الاندماج الإفريقي.
وأوضح المسؤول الإفريقي أن هذا الدور يتجسد في شبكة العلاقات الواسعة التي تربط المغرب بمختلف دول القارة، واستثماراته في قطاعات حيوية، إضافة إلى مساهمته المالية في ميزانية الاتحاد وصندوق السلام، منوها بالدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في ترسيخ ثلاثية الأمن والسلام والتنمية، خاصة في منطقة الساحل، ومبرزا أن الاستقرار الذي ينعم به المغرب يعزز موقعه كفاعل موثوق في قضايا الأمن الإقليمي ويدعم حضوره داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي.
كما أشاد محمود علي يوسف بالتجربة التنموية المغربية، معتبرا أن مشاريع كبرى مثل ميناء طنجة المتوسط تمثل منصة لوجستية عالمية ونموذجا إفريقيا ناجحا، إلى جانب البنية التحتية المتطورة وعلى رأسها قطار “البراق”، بما يعكس قدرة القارة الإفريقية على إنجاز مشاريع وفق معايير دولية، ويؤكد أن المغرب أصبح نموذجا يحتذى به في مجالات الاستثمار واللوجستيك والتنمية.
وفي حديثه عن واقع الاتحاد الإفريقي، أكد رئيس المفوضية أن المؤسسة القارية أصبحت اليوم أكثر خضوعا للمراقبة في ظل ارتفاع انتظارات الشعوب، خاصة الشباب الذين لم يعودوا يكتفون بالتصريحات، بل يطالبون بنتائج ملموسة على أرض الواقع، مشيرا إلى أن مشروع بناء إفريقيا يندرج ضمن مسار طويل الأمد تؤطره أجندة 2063، غير أن التحدي الحقيقي لم يعد في صياغة الرؤى بقدر ما أصبح في تحويلها إلى إنجازات قابلة للقياس تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
وشدد المسؤول الإفريقي على أن السلم والأمن يظلان في صدارة الأولويات القارية، في ظل تصاعد تهديدات الإرهاب في منطقة الساحل وشرق إفريقيا وتكرار الانقلابات العسكرية، مؤكدا أن مفوضية الاتحاد تعتمد على آليات مؤسساتية، أبرزها مجلس السلم والأمن الإفريقي والوساطات السياسية التي يقودها مبعوثون وقادة أفارقة بهدف إعادة الدول التي شهدت تغييرات غير دستورية إلى المسار الدستوري، مع الكشف عن تحركات ميدانية مرتقبة في منطقة الساحل التي وصفها بأنها نقطة تقاطع معقدة بين الإرهاب والاتجار بالبشر والمخدرات.
وأكد محمود علي يوسف أن تحقيق السيادة الإفريقية يمر عبر التحرر من التبعية المالية والاعتماد المفرط على الشركاء الخارجيين، داعيا إلى تعبئة الموارد الذاتية وإشراك القطاع الخاص والجاليات الإفريقية بالخارج في تمويل المشاريع التنموية، مشددا على أن التمويل الذاتي لم يعد خيارا بل ضرورة ملحة، خاصة في ظل تراجع الدعم الخارجي نتيجة الأزمات الدولية وعلى رأسها الحرب في أوكرانيا.
كما أبرز أن الجاليات الإفريقية تمثل مصدرا مهما للعملة الصعبة في عدد من الدول، داعيا إلى تهيئة بيئة قانونية واقتصادية جاذبة لتحويل هجرة العقول إلى قوة تنموية تدعم اقتصادات القارة، مشيرا إلى أن الشباب يمثلون القوة المحركة لمستقبل إفريقيا، حيث تضم القارة نحو 600 مليون شاب مع توقعات ببلوغ عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول سنة 2050، مع إطلاق مبادرات لتعزيز إدماجهم، من بينها الجامعة الإفريقية وبرامج التنقل الأكاديمي ومشروع إنشاء مقر للشباب الإفريقي في المغرب.
وفي سياق التغيرات المناخية، حذر رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي من تفاقم أزمة المياه في القارة، مشيرا إلى أن مئات الملايين من الأفارقة يفتقرون إلى مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، معتبرا أن هذه الأزمة قد تتحول إلى مصدر نزاعات، لكنها تتيح في الوقت نفسه فرصا لتعزيز التعاون الإقليمي، مشيدا بالتجربة المغربية في سياسة السدود ومؤكدا أن المؤتمر المرتقب حول الماء في المغرب قد يشكل محطة مهمة لمعالجة هذا التحدي.
واختتم محمود علي يوسف مقابلته بالتأكيد على أن إفريقيا تقف اليوم أمام اختبار حقيقي، حيث لم يعد مقبولا الاكتفاء بالشعارات، بل أصبح الرهان الأكبر هو تحقيق نتائج ملموسة تعيد الثقة في المشروع القاري، عبر تسريع الإصلاحات وتعزيز الاعتماد على الذات وربح رهان الزمن في بناء قارة قوية ومندمجة.
04/04/2026