kawalisrif@hotmail.com

بني أنصار: فواتير الماء والكهرباء تفجّر الغضب بفرخانة … حين يُطلب من المواطن فكّ شفرة الاستهلاك بدل تفسيرها ؟

بني أنصار: فواتير الماء والكهرباء تفجّر الغضب بفرخانة … حين يُطلب من المواطن فكّ شفرة الاستهلاك بدل تفسيرها ؟

في محاولة لاحتواء موجة الغضب المتصاعدة، احتضنت جماعة بني أنصار اجتماعاً تواصلياً جمع عدداً من المواطنين المتضررين في انتظار تدخل الجهات المعنية، في خطوة بدت متأخرة أكثر مما هي علاجية، وكأن الأزمة كانت تحتاج فقط إلى جلسة استماع لا إلى سنوات من التراكم. اللقاء، بدل أن يبدد الاحتقان، بدا أقرب إلى مرآة عاكسة لحجم الاختلالات التي تضرب قطاع توزيع الماء والكهرباء، حيث تحوّل الحوار إلى عرض مفتوح لمعاناة يومية ثقيلة، ومرافعات مواطنين يواجهون “فواتير مفاجئة” لا تقل غرابة عن كونها أقرب إلى ألغاز حسابية منها إلى وثائق استهلاك.

ويأتي هذا الاحتقان في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق تعيشه المنطقة منذ إغلاق المعابر الحدودية، وهو قرار لم يكن مجرد تفصيل جغرافي، بل ضربة مباشرة لدورة اقتصادية محلية كانت تعتمد على الحركة التجارية العابرة، قبل أن تجد جماعة بني أنصار نفسها في وضع أشبه بانتظار دائم لعودة نشاط لم يعد كما كان. النتيجة كانت واضحة: تراجع في المداخيل، ضغط على القدرة الشرائية، ثم فجأة… فواتير ترتفع وكأن الدخل هو الآخر دخل في موجة تضخم موازية.

لم تعد فواتير الماء خصوصا مجرد وثائق شهرية عادية، بل تحولت في فرخانة وجماعة بني أنصار إلى ما يشبه “اختبار صبر جماعي”، حيث يجد المواطن نفسه أمام أرقام ثقيلة ومطالبات مالية لا تشرح نفسها، بل تترك لصاحبها مهمة البحث عن تفسير لسبب انتقال استهلاك منزله من مستوى عادي إلى مستوى يبدو أقرب إلى منشأة صناعية. المفارقة أن هذا يحدث في غياب أي تواصل مقنع، وكأن المطلوب ليس فهم الفاتورة بل الإيمان بها.

وفي ظل هذا المشهد، سجلت حالات صادمة توصلت بفواتير تتراوح بين ألفي درهم وتصل في بعض الحالات إلى اثنتي عشرة ألف درهم، دون مقدمات واضحة أو مؤشرات استهلاك مبررة، ما جعل الشك يتحول من سؤال هامشي إلى فرضية رئيسية حول سلامة المنظومة بأكملها. وهكذا، بدل أن تكون الفاتورة وثيقة محاسبة، أصبحت وثيقة مفاجأة شهرية لا تخلو من عنصر الدهشة.

وإذا كانت فواتير الماء قد فتحت الباب، فإن الكهرباء لم تتأخر في الانضمام إلى المشهد، حيث خرج مواطنون للاحتجاج على ما وصفوه باستنزاف غير مبرر لقدرتهم الشرائية، في وقت تتحول فيه الحياة اليومية إلى معادلة صعبة بين الضروريات والفواتير، وكأن المطلوب هو إدارة ميزانية الأسرة بمنطق رياضي دقيق لا يحتمل أي خطأ، وإلا كانت النتيجة رقماً إضافياً في آخر الشهر.

الأكثر إثارة للتهكم المرير لا يتعلق فقط بقيمة الفواتير، بل بطريقة التعامل مع المتضررين، حيث يروي مواطنون أن الردود داخل المصالح المعنية تتجاوز حدود التفسير الإداري إلى منطق أقرب إلى تحميل المواطن مسؤولية “سوء استهلاكه”، وكأن المشكلة ليست في القراءة أو الفوترة، بل في سلوك المستهلك الذي لم يلتزم مسبقاً بتوقع ارتفاع لم يُعلن عنه أصلاً.

وفي تطور يزيد المشهد غرابة، تشير معطيات متداولة إلى انتزاع مئات العدادات من الماء والكهرباء بجماعة بني أنصار وبلدة فرخانة بدعوى تراكم الديون، رغم أن هذه العدادات تبقى قانونياً في ملكية المشتركين، ما يفتح باباً واسعاً للتساؤل حول مدى قانونية هذه الإجراءات، خاصة في ظل تسجيل حالات لجأ فيها مواطنون إلى القضاء الاستعجالي وتمكنوا من استرجاع حقوقهم، وكأن الحل لم يعد إدارياً بل قضائياً افتراضياً جاهزاً للاستخدام عند الحاجة.

وتتعدد التفسيرات الممكنة لهذا الوضع، بين عدادات قديمة أو معطلة، أو قراءات غير دقيقة، أو اعتماد على تقديرات جزافية بدل المعاينة الميدانية، وكلها فرضيات تبدو مختلفة في الشكل لكنها تلتقي في نتيجة واحدة: فاتورة لا تشبه الواقع. كما لا يُستبعد أن يكون انتقال تدبير القطاع إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات قد خلق ارتباكاً انتقالياً، في ظل حديث عن صعوبات تنظيمية وتوترات مهنية انعكست بشكل مباشر على جودة الخدمة.

وفي خضم هذا الجدل، تتصاعد الدعوات ومطالبة المجالس المنتخبة إلى عقد دورات استثنائية لمساءلة الشركة الجهوية متعددة الخدمات، لإعادة فتح ملف أصبح أكثر من مجرد شكايات فردية، بل قضية رأي عام محلي. وفي المقابل، تجد جمعيات حماية المستهلك نفسها أمام اختبار حقيقي، بين الاكتفاء بالتتبع أو الانخراط في تأطير قانوني لملفات تتزايد حدتها يوماً بعد يوم.

إن ما يجري في فرخانة وبني أنصار لم يعد مجرد خلل تقني أو سوء فهم إداري، بل يبدو أقرب إلى تراكم طويل من الأعطاب التي انفجرت دفعة واحدة، في سياق اقتصادي أكثر هشاشة، ومع واقع اجتماعي لم يعد يحتمل المزيد من المفاجآت. ومع إغلاق المعابر وما خلفه من تراجع اقتصادي، باتت الفواتير اليوم ليست مجرد أرقام، بل مرآة لمرحلة كاملة تتآكل فيها الثقة شيئاً فشيئاً.

وفي النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: من أخطأ في الحساب؟ بل أصبح أعمق من ذلك بكثير: كيف تحولت الخدمة العمومية من ضمانة للاستقرار إلى مصدر دائم للقلق؟ وبين فاتورة وأخرى، قد لا يكون الخطر في الأرقام نفسها، بل في ما تتركه من شعور متزايد بأن الثقة… أصبحت هي الأخرى تحتاج إلى إعادة قراءة.

21/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts