في عالم الطيران الذي لا يتوقف عن مطاردة الابتكار، يعود إلى الواجهة مشروع مثير للجدل يتمثل في مقاعد بطابقين داخل الطائرات، يحمل اسم “Chaise Longue”، وهو تصميم يحاول إعادة تشكيل تجربة السفر الجوي من جذورها، بين وعود براحة غير مسبوقة ومخاوف من تحويل المقصورة إلى فضاء أكثر ازدحاماً وتعقيداً.
الفكرة التي بدأت كمشروع جامعي سنة 2020 على يد المصمم الإسباني أليخاندرو نونيز فيسينتي، تحولت خلال سنوات قليلة إلى نموذج عالمي يُعرض في أكبر معارض الطيران، حيث يقوم التصور على إزالة الخزائن العلوية واستبدالها بطابقين من المقاعد، علوي وسفلي، في محاولة لخلق مساحة إضافية للركاب داخل نفس هيكل الطائرة.
ورغم أن الهدف المعلن للمصمم يتمثل في تحسين راحة المسافرين خصوصاً في الدرجة السياحية، إلا أن التصميم أثار منذ ظهوره الأول موجة واسعة من الجدل، إذ يرى منتقدون أنه قد يزيد من الإحساس بالاختناق ويقلص الخصوصية، بل وقد يحول تجربة السفر إلى وضعية أكثر انغلاقاً بدل أن تكون أكثر رحابة، خاصة في الرحلات الطويلة التي يعاني فيها الركاب أصلاً من ضيق المساحة.
وفي المقابل، يتمسك صاحب المشروع برؤيته التي تعتبر أن المشكلة الحقيقية في الطيران التجاري تكمن في غياب الابتكار داخل المقصورة السياحية، مقارنة بدرجتي الأعمال والأولى، موضحاً أن التصميم الجديد يهدف إلى منح خيارات أكثر راحة، مع تحسين توزيع المساحة وإعادة التفكير في شكل المقعد التقليدي الذي لم يتغير جذرياً منذ عقود.
ورغم الحماس الذي يبديه المصمم وفريقه، فإن الطريق نحو التطبيق الفعلي لا يزال معقداً، إذ تتطلب صناعة الطيران معايير صارمة في السلامة والاعتماد، إضافة إلى تكاليف ضخمة لإعادة تصميم الطائرات أو تكييفها مع هذا النوع من المقاعد، وهو ما يجعل الفكرة حتى الآن أقرب إلى التجريب منها إلى التنفيذ التجاري الفعلي.
كما أن موقف شركات الطيران ما يزال حذراً، رغم إبداء بعض الشركات اهتماماً مبدئياً بالمفهوم، حيث يُنظر إليه كخيار محتمل للدرجة السياحية الممتازة أو حتى كنموذج تجريبي للمستقبل، في وقت تتزايد فيه الضغوط لتحسين تجربة السفر دون رفع التكاليف بشكل كبير على الركاب.
وبين الطموح الهندسي والواقع الصناعي، يبقى مشروع المقاعد ذات الطابقين عالقاً في منطقة رمادية، لا هو خيال مطلق يمكن تجاهله، ولا هو حقيقة جاهزة للتطبيق، بل فكرة تثير النقاش كلما عُرضت من جديد، وتعيد طرح سؤال أعمق حول شكل السفر الجوي في العقود المقبلة.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة حول تصميم مقعد فقط، بل حول فلسفة كاملة للسفر: هل تصبح الطائرات أكثر راحة وإنسانية كما يعد مبتكروها، أم تتحول إلى فضاءات أكثر كثافة بحجة تحسين الاستغلال؟ وبين هذا وذاك، تبقى السماء مفتوحة على احتمالين متناقضين، أحدهما يعد بالراحة… والآخر يلمّح إلى ازدحام لم يسبق أن عرفه الركاب من قبل.
24/04/2026