kawalisrif@hotmail.com

حين تتوتر مدريد … يُستحضر “الخطر المغربي” :   إعلام إسباني يلاحق صعوداً استراتيجياً تجاوز مرحلة الإنكار، ويكتشف متأخراً واقع قوة لا يمكن تجاهله

حين تتوتر مدريد … يُستحضر “الخطر المغربي” : إعلام إسباني يلاحق صعوداً استراتيجياً تجاوز مرحلة الإنكار، ويكتشف متأخراً واقع قوة لا يمكن تجاهله

يبدو أن بعض وسائل الإعلام في إسبانيا لا تتحرك إلا عندما تشعر بأن البوصلة الجيوسياسية بدأت تميل بعيداً عنها. آخر الأمثلة تقرير يتحدث بلهجة قلق عن تقارب متزايد بين المغرب والولايات المتحدة، وكأن الأمر حدث طارئ، وليس نتيجة مسار طويل من التعاون الاستراتيجي الواضح.

فوفق ما أوردته صحيفة إسبانية، تمر العلاقات الدفاعية بين واشنطن ومدريد بمرحلة فتور، في مقابل تعزيز ملحوظ للتعاون مع الرباط، التي وقّعت مع الأمريكيين خارطة طريق عسكرية تمتد لعشر سنوات. خطوة تُكرّس، مرة أخرى، موقع المغرب كشريك موثوق للولايات المتحدة في المنطقة، رغم محاولات بعض الأصوات الإسبانية التقليل من هذا الدور أو التشكيك في خلفياته.

ويعود التقرير ليؤكد المعطى نفسه، مشيراً إلى أن الشراكة المغربية-الأمريكية تتسع بهدوء وثبات، في وقت تعيش فيه العلاقات الإسبانية-الأمريكية على إيقاع البرود. ومع ذلك، تصر بعض الأقلام الإسبانية على تصوير هذا المسار وكأنه “تطور مقلق”، بدل الاعتراف بأنه نتيجة طبيعية لسياسة خارجية مغربية متزنة وواضحة المعالم.

الأكثر إثارة أن التقرير نفسه يعترف، نقلاً عن الخبير أكرم خريف، بأن هذا التعاون لا يشكل أي تهديد عسكري لإسبانيا، وأن أثره يظل سياسياً بالأساس. بمعنى أدق: لا خطر فعلي، لكن القلق قائم… وربما يتغذى من حقيقة بسيطة يصعب تجاهلها: المغرب يتقدم.

ورغم هذا الإقرار، يواصل الخطاب الإعلامي الإسباني التلميح إلى “إزعاج” ناتج عن حصول المغرب على تمويلات عسكرية أكبر وتكنولوجيا أمريكية متقدمة، وكأن الإشكال لا يكمن في طبيعة التعاون، بل في هوية الطرف الذي يستفيد منه.

وفي وقت تنشغل فيه إسبانيا بحسابات داخلية وتوترات مع حلفائها، يواصل المغرب تعزيز موقعه بهدوء، مستثمراً كل فرصة متاحة. ويربط التقرير هذا التقارب برفض رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بعض الطلبات الأمريكية، وهو ما لم يلق استحسان دونالد ترامب، في إشارة ضمنية إلى أن الرباط تدير توازناتها ببراغماتية، بينما تتخبط مدريد في حساباتها.

ومن بين النقاط التي استوقفت الإعلام الإسباني أيضاً، مناورات “الأسد الإفريقي” التي تُنظم سنوياً بمشاركة دولية واسعة. هذه التدريبات، التي يُجرى جزء منها فوق التراب المغربي، تحولت في الخطاب الإسباني من تمرين عسكري روتيني إلى “رسالة قوة” مثيرة للقلق، رغم أنها قائمة منذ سنوات وبمشاركة دول متعددة دون ضجيج يُذكر.

كما توقف التقرير عند إدماج المغرب في نظام الاتصالات العسكرية “لينك 16”، وهو نظام متطور كان إلى وقت قريب حكراً على دول حلف الناتو. خطوة تعكس مستوى الثقة الأمريكية في الرباط، لكنها تُقدَّم، مرة أخرى، في الإعلام الإسباني كسبب للريبة، في مشهد يتكرر كلما حقق المغرب تقدماً نوعياً في موقعه الاستراتيجي.

في النهاية، لا يقدم التقرير معطيات جديدة بقدر ما يعيد تدوير نفس الرواية القلقة: كلما خطا المغرب خطوة إلى الأمام، ارتفعت نبرة التحذير في بعض المنابر الإسبانية، وكأن التقدم المغربي حدث استثنائي يهدد التوازنات، لا نتيجة طبيعية لسياسة محسوبة.

أما الواقع، فلا يحتاج إلى كل هذا الصخب: المغرب يتقدم بثبات، ينسج شراكاته ببراغماتية، ويعزز موقعه دون استئذان أو ضجيج. وبينما تُهدر بعض الأقلام وقتها في تضخيم “الخطر”، تكون الوقائع قد سبقتها بأشواط… وهنا تحديداً يكمن الإزعاج الحقيقي: ليس لأن المغرب يشكل تهديداً، بل لأنه ببساطة لم يعد ينتظر أحداً.

25/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts

25 أبريل 2026