في مشهد يختصر حجم العبث الذي تعيشه مدينة الناظور، تحوّل مشروع استثماري قانوني بحي الفطواكي إلى ضحية جديدة لتحالف النفوذ والمال والعقار، بعدما جرى سحب رخصة استغلال قاعة للأفراح، ليس بسبب خروقات مثبتة أو مخالفات قانونية، بل تحت ضغط “لوبيات” اعتادت التعامل مع المدينة وكأنها ضيعة خاصة تُدار بمنطق التعليمات والمصالح الضيقة.
القصة بدأت حين حصلت سيدة على ترخيص قانوني لاستغلال محل كقاعة للأفراح، بعد استيفاء جميع الشروط والمساطر الجاري بها العمل. استثمرت أموالاً ضخمة، وراهنت على مشروع يوفر فرص شغل للشباب ، في مدينة تختنق أصلاً بالبطالة والركود. لكن يبدو أن القانون في الناظور لا يصلح عندما يصطدم بمصالح “أصحاب النفوذ”.
فبعد أيام قليلة فقط من تسليم الرخصة، تحركت جهات معروفة بالحي، يتقدمها منعشون عقاريون ومقاولون نافذون، من بينهم المدعو ( ج – أبرشان ) وآخرون من رهط القوم ، لإطلاق عريضة تحريضية تطالب بإغلاق القاعة وسحب الترخيص. عريضة قيل إنها تمت بـ”مباركة” و”غطاء سياسي” من رئيس المجلس الجماعي، الذي فضّل – بحسب متابعين – الانصياع لضغط البارونات بدل حماية القانون واحترام المؤسسات.
الأخطر في هذه القضية أن قرار سحب الرخصة ، لم يستند إلى أي تعليل قانوني واضح أو تقرير تقني جدي يثبت وجود تجاوزات تستوجب الإغلاق، ما يفتح الباب أمام سؤال خطير: هل أصبحت الرخص الإدارية في المدينة مجرد أوراق مؤقتة قابلة للإلغاء بمجرد غضب بارونات العقار والنفوذ؟
ما يحدث بحي الفطواكي يكشف عقلية متعالية تتصرف وكأن بعض الأحياء “مناطق خاصة” لا يحق لباقي المواطنين الاستثمار فيها، وكأن سكان أحياء أخرى مجرد مواطنين من الدرجة الثانية. فهل قاعات الأفراح مسموح بها في وسط المدينة ومرفوضة فقط في حي الفطواكي؟ أم أن الأمر يتعلق فقط بمن يملك النفوذ ومن لا يملكه؟
الفضيحة الأكبر أن المجلس الجماعي، بدل أن يشجع الاستثمار ويحمي أصحاب المشاريع القانونية، ظهر وكأنه أداة في يد جماعات الضغط العقاري، تُحرَّك قراراته وفق المصالح والعلاقات الخاصة، لا وفق القانون والمصلحة العامة.
إن ما وقع ليس مجرد نزاع حول قاعة أفراح، بل صورة صادمة عن مناخ الاستثمار بمدينة يُفترض أنها تبحث عن التنمية، بينما تُطرد فيها المشاريع القانونية بقرارات مزاجية، ويُمنح أصحاب النفوذ حق تقرير من يستثمر ومن يُغلق في وجهه الباب.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من يحكم الناظور فعلاً… القانون أم لوبيات العقار؟
وفي مدينة يُفترض أن تُفتح فيها الأبواب أمام الاستثمار، يبدو أن بعض المشاريع لا تُقاس بمدى قانونيتها، بل بمدى رضا “أصحاب النفوذ” عنها. فحين يصبح المستثمر مهدداً في أي لحظة بقرار مزاجي، وحين تُسحب الرخص تحت ضغط العرائض والولاءات والعلاقات الخاصة، فإن الرسالة التي تُوجَّه للجميع خطيرة وواضحة: القانون وحده لا يكفي في الناظور.
اليوم أُغلقت قاعة أفراح… وغداً قد يُغلق أي مشروع آخر فقط لأنه أزعج لوبي العقار أو رفض الانحناء لمراكز النفوذ. أما الخاسر الحقيقي، فليست فقط سيدة استثمرت مالها وسمعتها، بل مدينة كاملة تُذبح فيها الثقة، ويُدفن فيها الاستثمار تحت أقدام المصالح الضيقة والصمت المخيف للمسؤولين.
أما الأخطر من كل هذا، فهو أن الرسالة التي خرجت من هذه الفضيحة ليست موجهة فقط لصاحبة القاعة، بل لكل مستثمر يفكر يوماً في وضع أمواله بمدينة الناظور: “احصل على الرخصة كما تشاء، واستوفِ الشروط كما تريد، لكن إن غضب أصحاب النفوذ فالقانون نفسه لن يحميك”.
إنها لحظة سقوط مدوٍّ لهيبة المؤسسات، حين تتحول الجماعة من حامية للقانون إلى منفذة لرغبات لوبيات العقار، وحين يصبح المنتخب خادماً للمصالح الخاصة بدل أن يكون ممثلاً للمصلحة العامة. فالمشاريع لا تُغلق اليوم بسبب المخالفات، بل بسبب الحسابات… والرخص لا تُسحب بالقانون، بل بمزاج النافذين.
وإذا استمر هذا العبث، فلن تبقى في المدينة سوى مشاريع المحظوظين وأصحاب العلاقات، أما المستثمر البسيط فسيُدفن حلمه تحت ركام النفوذ، وستتحول الناظور إلى مدينة تُطرد منها التنمية ويُكافَأ فيها الابتزاز والصمت والخضوع.
07/05/2026