في تطور خطير يكشف حجم تغلغل شبكات تهريب المخدرات في جنوب إسبانيا، أفادت تقارير إعلامية إسبانية بأن الزوارق العسكرية الثلاثة التي سُرقت من البحرية الإسبانية خلال مناورات “فلوتيكس-26” بمنطقة قادس، يُشتبه في أنها أصبحت تُستخدم حالياً من طرف عصابات الاتجار بالمخدرات الناشطة بين السواحل الإسبانية والمغربية عبر مضيق جبل طارق.
ووفق المعطيات المتوفرة، فإن عملية السرقة وقعت بشاطئ “إل ريتين” التابع لبلدية بارباتي، حيث اختفت ثلاثة زوارق شبه صلبة كانت مخصصة لمهام استطلاع تكتيكية تنفذها وحدات مشاة البحرية الإسبانية. وتزامن ذلك مع اختفاء معدات عسكرية حساسة، من بينها 11 بذلة غوص خاصة وأجهزة تتبع وملاحة ميدانية.
الزوارق المسروقة من طراز Duarry Supercat، وهي من بين أكثر القوارب استخداماً في العمليات العسكرية وعمليات الإنقاذ البحري. ويبلغ طول كل زورق ستة أمتار، ويزن نحو 640 كيلوغراماً، وهو مجهز بمحرك “ياماها” بقوة 100 حصان، ما يسمح له بتجاوز سرعة 75 كيلومتراً في الساعة.
وتتميز هذه الزوارق بهيكل مدعّم بألياف “كيفلار” المقاومة للصدمات، ما يجعلها قادرة على الرسو المباشر فوق الشواطئ الرملية، وهي ميزة مطلوبة ليس فقط في العمليات العسكرية، بل أيضاً في عمليات التهريب السريعة التي تعتمدها شبكات المخدرات لنقل البضائع أو الوقود.
كما تستطيع حمل ما يصل إلى عشرة أشخاص والعمل بكفاءة في المناطق الساحلية الوعرة، وهو ما يفسر القيمة الكبيرة التي تمثلها بالنسبة لعصابات التهريب.
وأكدت مصادر مطلعة على التحقيقات أن بعض هذه الزوارق شوهدت بالفعل في مياه المضيق وهي تنفذ مهام ما يُعرف محلياً بـ”البيتاكيو”، وهي عملية تزويد زوارق المخدرات السريعة بالوقود والمؤن في عرض البحر، بما يسمح لها بالبقاء لساعات طويلة دون العودة إلى الموانئ.
وعزز هذا المعطى فرضية انتقال المعدات العسكرية المسروقة مباشرة إلى أيدي شبكات الجريمة المنظمة التي تنشط في منطقة مضيق جبل طارق، إحدى أكثر بؤر التهريب نشاطاً في أوروبا.
وتواصل وحدات الحرس المدني الإسباني تحقيقاتها تحت إشراف القضاء، حيث يتم فحص تسجيلات كاميرات المراقبة ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، في محاولة لإعادة بناء تفاصيل العملية وتحديد الجهات المتورطة فيها.
غير أن الطريقة الدقيقة التي نُفذت بها السرقة أثارت شكوكاً قوية لدى المحققين بشأن احتمال وجود مساعدة من داخل المؤسسة العسكرية أو من أشخاص على دراية بتحركات الوحدات العسكرية ومواقع إخفاء الزوارق.
ونقلت الصحيفة الإسبانية عن أحد المحققين قوله إن العملية “تحمل مؤشرات واضحة على وجود تعاون داخلي”، بالنظر إلى طبيعة المعدات المسروقة وصعوبة تنفيذ العملية دون معلومات مسبقة.
وتأتي هذه الواقعة في وقت تحذر فيه السلطات الإسبانية من تصاعد نفوذ شبكات المخدرات في منطقة قادس ومضيق جبل طارق، حيث أصبحت العصابات أكثر جرأة وتنظيماً، مع امتلاكها وسائل لوجستية متطورة وقدرات متنامية على مواجهة الأجهزة الأمنية.
كما أثار اختفاء أجهزة التتبع والملاحة العسكرية قلقاً إضافياً لدى السلطات، خشية استخدامها لاحقاً لتفادي المراقبة الأمنية وتسهيل عمليات التهريب عبر المضيق.
وتحولت الحادثة إلى مصدر إحراج كبير للمؤسسات الأمنية والعسكرية الإسبانية، خاصة أنها وقعت خلال أكبر مناورات بحرية تشهدها البلاد هذا العام، والتي شارك فيها أكثر من ألفي عسكري وعشرات القطع البحرية والجوية، بما في ذلك غواصات ووحدات إنزال متخصصة.
وبينما كانت البحرية الإسبانية تجري مناوراتها لاختبار الجاهزية العسكرية في مضيق جبل طارق، يبدو أن مهربي المخدرات كانوا يجرون، بدورهم، مناورات أكثر نجاحاً وفعالية. فبعد أن خرجت الزوارق من الخدمة العسكرية ودخلت ــ حسب الشبهات ــ الخدمة لدى شبكات التهريب، لم يعد السؤال كيف سُرقت، بل كيف تحولت معدات دولة كاملة إلى “تعزيزات مجانية” لعصابات المخدرات.
وفي انتظار نتائج التحقيق، يبقى المشهد أقرب إلى سيناريو كوميديا سوداء: جيش يبحث عن زوارقه، ومهربون يتجولون بها في البحر وكأنهم حصلوا عليها من معرض رسمي للمعدات العسكرية !
24/05/2026