في صمت بعيد عن الضجيج السياسي المعتاد، حملت التعيينات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج برسم سنة 2026 رسائل عميقة تتجاوز مجرد إعادة توزيع المناصب القنصلية، لتكشف عن تحولات واضحة داخل هندسة الدبلوماسية المغربية الحديثة، حيث يواصل أبناء الصحراء المغربية تثبيت حضورهم في مواقع القرار والتمثيلية الخارجية ذات البعد الاستراتيجي.
ومن بين أبرز الأسماء التي استأثرت بالاهتمام، يبرز تعيين الدبلوماسي أبّاه سيدي سيدي، ابن مدينة العيون، قنصلا عاما للمملكة المغربية بمدينة لاس بالماس الإسبانية، خلفا للدبلوماسية فتيحة الكموري، التي تنحدر بدورها من العيون، بعد مسار مهني لافت داخل واحدة من أكثر الواجهات القنصلية حساسية بالنسبة للمغرب.
هذا التعيين لا يبدو مجرد انتقال إداري عادي، بل يحمل في طياته دلالات سياسية ودبلوماسية واضحة، خاصة وأن جزر الكناري تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة تماس استراتيجية بين المغرب وإسبانيا وإفريقيا، سواء في ملفات الهجرة أو التعاون الاقتصادي أو الأمن البحري أو حتى تدبير أوضاع الجالية المغربية المقيمة بالأرخبيل الإسباني.
ويأتي اختيار أبّاه سيدي سيدي لهذا المنصب بالنظر إلى تجربته السابقة داخل الساحة الإسبانية، سواء خلال عمله القنصلي بإشبيلية أو من خلال المهام التي اضطلع بها داخل ديوان وزير الخارجية ناصر بوريطة، وهي تجربة راكم خلالها معرفة دقيقة بتعقيدات العلاقة المغربية الإسبانية، وبالرهانات المرتبطة بالمجال الإيبيري والمتوسطي.
أما فتيحة الكموري، التي أنهت مهمتها بلاس بالماس بعد سنوات من العمل القنصلي الهادئ والفعال، فتتجه وفق معطيات متداولة نحو محطة دبلوماسية جديدة بأمريكا اللاتينية، في مؤشر يعكس حجم الثقة التي تحظى بها داخل المؤسسة الدبلوماسية المغربية، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها مواقف عدد من بلدان أمريكا اللاتينية تجاه قضية الصحراء المغربية.
وتدرك الرباط جيدا أن المعركة الدبلوماسية لم تعد تُخاض فقط داخل أروقة الأمم المتحدة، بل أيضا عبر بناء شبكة تمثيلية قادرة على التأثير السياسي والاقتصادي والثقافي في مناطق النفوذ الجديدة، وهو ما يفسر الرهان المتزايد على كفاءات تمتلك إلماما باللغة الإسبانية، وفهما عميقا للفضاءين الإيبيري واللاتيني.
اللافت في هذه التعيينات أن أبناء الصحراء المغربية لم يعودوا مجرد حضور رمزي داخل المشهد الدبلوماسي، بل تحولوا إلى جزء من النخبة التي تُوكل إليها الملفات الدقيقة والواجهات الحساسة، في امتداد لرؤية ملكية تقوم على ربط المسؤولية بالكفاءة، وتثمين الكفاءات القادمة من الأقاليم الجنوبية باعتبارها شريكا أساسيا في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة.
وبين لاس بالماس وأمريكا اللاتينية، يبدو أن الدبلوماسية المغربية تواصل إعادة ترتيب أوراقها بهدوء، معتمدة على وجوه راكمت الخبرة والقدرة على التحرك داخل فضاءات معقدة، في وقت تتزايد فيه رهانات المغرب الخارجية وتتشعب فيه التحديات الإقليمية والدولية.
27/05/2026