kawalisrif@hotmail.com

بين خطبة الوحدة والتعايش وصمت التوترات… مليلية المحتلة تُصلي العيد بنصف المغاربة فوق طبقات من الصراع والهوية

بين خطبة الوحدة والتعايش وصمت التوترات… مليلية المحتلة تُصلي العيد بنصف المغاربة فوق طبقات من الصراع والهوية

شهدت ساحة سان لورينزو، صباح الأربعاء، توافد مئات العائلات المسلمة من المغاربة القاطنين لأداء صلاة عيد الأضحى المبارك، في أجواء طبعتها الروحانية والسكينة، مع حضور لافت لرسائل التعايش والانسجام بين مختلف مكونات المدينة.

ومنذ الساعات الأولى للصباح، بدأت الأسر في التوافد على المصلى، حيث انطلقت الصلاة على الساعة التاسعة، وسط أجواء عائلية هادئة، عكست أهمية هذا الموعد الديني في حياة المغاربة السكان الأصليين للمدينة.

وشهد الاحتفال حضور عدد من المسؤولين المحليين، من بينهم حاكم المدينة خوان خوسيه إمبرودا، إلى جانب أعضاء من الحكومة المحلية والوفد الممثل للحكومة المركزية، في مشهد أقرب إلى “الاصطفاف البروتوكولي” منه إلى مجرد حضور رسمي، حيث يتحول الحدث الديني إلى منصة لالتقاط الرسائل السياسية وتلميع صور التقارب، والتودد إلى فئة تمثل جزءًا كبيرًا من النسيج السكاني، في لعبة توازنات لا تخفى خلف ابتسامات المشهد المؤسسي.

وسجلت المناسبة هذا العام سابقة لافتة، حيث تولى إمامة الصلاة وإلقاء الخطبة الإمام هشام بن عبد السلام، وهو من مواليد مليلية وخريج جامعة المدينة المنورة، ما اعتُبر تحولًا في تدبير الشأن الديني المرتبط بالعيد، بعدما لم يعد الإمام مرتبطًا بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، في إطار صراع النفوذ حول تدبير الشأن الديني في المدينة.

كما تميزت الخطبة بإلقائها باللغة الإسبانية، في خطوة لاقت تفاعلاً واسعًا من الحاضرين، باعتبارها تسهيلاً لفهم الرسالة الدينية من طرف جميع فئات المجتمع.

ركز الإمام في خطبته على دلالات عيد الأضحى، مستحضرًا قصة النبي إبراهيم وابنه، باعتبارها رمزًا للإيمان والطاعة والتضحية. كما شدد على أن روح العيد تقوم على التضامن وتقاسم الأضاحي مع الفقراء والجيران دون تمييز ديني أو اجتماعي.

وأكد أن قيم الإسلام تدعو إلى نشر الرحمة والتكافل، موضحًا أن الخير في هذا اليوم يتجلى في اتساع دائرة العطاء لتشمل الأقارب والجيران بمختلف انتماءاتهم.

كما تطرق إلى قيم السلم الاجتماعي، مذكرًا بمضامين خطبة الوداع للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخاصة ما يتعلق بحرمة العنف وحقوق الإنسان واحترام المرأة، داعيًا إلى نبذ كل أشكال التطرف واستغلال الدين لتبرير العنف.

وشدد الإمام على أن الانتماء الإنساني واحد، وأن التفاضل لا يكون إلا بالتقوى، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على السلم الاجتماعي داخل مليلية، ورفض كل خطاب يسعى إلى بث الفرقة بين السكان.

من جهته، أوضح نائب رئيس اللجنة الإسلامية بالمدينة أن عدد المصلين هذا العام تراوح بين 3 و4 آلاف شخص، مقابل أكثر من 7 آلاف في السنة الماضية، مرجعًا هذا التراجع إلى التغيرات المتعلقة بعملية ذبح الأضاحي في الناظور والنواحي، ما دفع غالبية الأسر إلى قضاء العيد خارج الثغر وباقي التراب الوطني.

ورغم هذا التراجع، سادت أجواء إيجابية داخل المصلى، حيث لقيت الخطبة باللغة الإسبانية إشادة واسعة من الحاضرين، لما حملته من رسائل واضحة حول التعايش والاحترام المتبادل.

في مدينةٍ شديدة الحساسية بحكم موقعها وتاريخها وتداخل مرجعياتها الدينية والإدارية، يبقى ملف تدبير الشأن الديني أحد أكثر الملفات تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتقاطع رؤى متعددة حول إدارة المساجد والإشراف عليها، في سياق دائم من إعادة ترتيب التوازنات.

ورغم ما يُعلن من رسائل وحدة وتعايش، تظل خلف هذا المشهد الهادئ أسئلة مفتوحة حول مستقبل المرجعية الدينية داخل المدينة، وحدود تأثير كل طرف في رسم معالمها الروحية والاجتماعية، في ظل تحولات مستمرة تمس بنية المجتمع وتوازناته الداخلية.

وهكذا، تبقى مليلية مدينة تعيش على إيقاع التعايش من جهة، وعلى إيقاع التوترات الصامتة من جهة أخرى، حيث لا تنطفئ تمامًا أسئلة الهوية والدين والانتماء، بل تظل حاضرة تحت السطح، تعيد تشكيل نفسها مع كل مناسبة كبرى وكل لحظة رمزية جامعة.

واختتمت المناسبة بأجواء من التهاني والمصافحات والتقاط الصور التذكارية، في مشهد يعكس الطابع الاجتماعي العميق لعيد الأضحى، باعتباره لحظة لتعزيز الروابط الأسرية والإنسانية داخل مدينة تعيش على إيقاع التنوع الثقافي والديني.

27/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts