في قرار أثار موجة جدل واسعة داخل إيطاليا وخارجها، حسم القضاء الإيطالي واحدة من أكثر القضايا غرابة وإثارة في عالم المطاعم والسياحة: لا يحق للزبون فرض الحصول على ماء الصنبور، حتى وإن كان مستعدًا للدفع مقابله.
المحكمة العليا الإيطالية أصدرت حكمًا لصالح فندق فاخر من فئة خمس نجوم بمنطقة الألب، بعد شكوى رفعتها سائحة اعتبرت أن الماء “حق إنساني عالمي” وليس مجرد خدمة تجارية تُباع داخل مطعم أو فندق.
القصة بدأت عندما طلبت السائحة كأسًا من ماء الصنبور أثناء تناول وجبة داخل الفندق، غير أن الإدارة رفضت تلبية الطلب، واقترحت بدلًا عنه شراء المياه المعدنية المعبأة. الزبونة رأت في القرار “انتهاكًا لحق طبيعي”، وقررت اللجوء إلى القضاء، مستندة إلى مبدأ الحق في الولوج إلى الماء باعتباره موردًا أساسيًا للحياة.
القضاة اعتبروا أن المطاعم والفنادق ليست ملزمة قانونيًا بتقديم ماء الصنبور لزبائنها، حتى لو أبدى هؤلاء استعدادهم لدفع ثمنه، مؤكدين أن للمؤسسات التجارية حرية تحديد طبيعة الخدمات والمنتجات التي تعرضها داخل فضاءاتها.
القرار فجّر نقاشًا حادًا في إيطاليا، خاصة في ظل تصاعد الدعوات البيئية الرامية إلى الحد من استهلاك قنينات البلاستيك وتشجيع استخدام مياه الصنبور، التي تُعد آمنة في معظم المدن الإيطالية.
ويرى منتقدو الحكم أن القضية تتجاوز مجرد “كأس ماء”، لتفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بحقوق المستهلك، وحدود السلطة التجارية للمطاعم والفنادق، وحتى العلاقة المعقدة بين الربح والموارد الطبيعية.
وفي خضم هذا الجدل الأوروبي، تعود إلى الواجهة تساؤلات مشابهة داخل عدد من الدول، من بينها المملكة المغربية، التي شهدت منذ جائحة كوفيد-19 تغيرًا واضحًا في طريقة تقديم المياه داخل المقاهي والمطاعم.
فخلال فترة الجائحة، فرضت السلطات الصحية إجراءات احترازية صارمة شملت الحد من تقديم الأكواب الجماعية أو الماء المصاحب للطلبيات بشكل تلقائي، بدعوى احترام شروط السلامة الصحية والوقاية من انتقال العدوى. غير أن كثيرًا من الزبائن يعتبرون أن تلك المرحلة شكّلت نقطة تحول حقيقية، بعدما أصبح المستهلك في عدد كبير من المقاهي والمطاعم مُجبرًا عمليًا على اقتناء قنينات المياه المعدنية بدل الحصول على كأس ماء كما كان الأمر سابقًا.
ومع مرور السنوات، تحولت الإجراءات الظرفية المرتبطة بالجائحة إلى “واقع تجاري جديد” في عدد من الفضاءات، حيث اختفى كأس الماء المجاني تدريجيًا من الطاولات، وحلّت مكانه قوائم أسعار لقنينات مياه بأثمنة متفاوتة، ما فتح بدوره نقاشًا صامتًا حول حدود الخدمة، وما إذا كان الماء لا يزال جزءًا من ثقافة الضيافة أم أصبح منتجًا استهلاكيًا خاضعًا بالكامل لمنطق الربح.
ويأتي ذلك في وقت يعيش فيه المغرب تحديات مائية متزايدة بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع الضغط على الموارد المائية، ما جعل ملف الماء يتحول من مجرد خدمة يومية إلى قضية استراتيجية ترتبط بالأمن المائي للمملكة.
وبين من يرى أن من حق المؤسسات التجارية تنظيم خدماتها بما يتماشى مع التكاليف وقواعد السلامة، ومن يعتبر أن حرمان الزبون من أبسط أشكال الضيافة يعكس تحوّلًا مقلقًا في العلاقة بين التاجر والمستهلك، يبدو أن “معركة كأس الماء” لم تعد حكرًا على إيطاليا وحدها.
وهكذا، لم تعد المعركة تدور فقط حول طبق فاخر أو فاتورة مرتفعة، بل حول أبسط ما يحتاجه الإنسان: جرعة ماء. وبين مطاعم ترى في الماء منتجًا يُباع، وزبائن يعتبرونه حقًا لا يُفاوض عليه، تحوّل كأس ماء الصنبور إلى عنوان لصراع صامت بين منطق الربح وحدود الكرامة الاستهلاكية… في زمن بات فيه حتى العطش يُدار بقوانين السوق.
27/05/2026